فن وإعلام

الدراما بين الصورة والصوت

رشيد صفَـر
في مواسم تلفزيونية مُتلاحقة في القنوات الوطنية، يلاحظُ المُتابع أن أغلب الأعمال المعروضة على الشاشة تبدو وكأنها أُنتجت لوسيط آخر .. أي للراديو.

الكاميرا حاضرة، والديكور قائم، والممثلون في أماكنهم … لكن الفعل أو الحدث الدرامي غائب، لذلك يستنتج المشاهدون أن الحوار يتضخم، والشرح يطول، والشخصيات تقضي وقتا أطول في سرد ما حدث بدل أن نراه يحدثُ أمامنا على الشاشة.

هذه الملاحظة تجعلنا نطرحُ سؤالا جوهريا :

هل نحن أمام دراما تلفزيونية فعلا، أم أمام راديو بلقطات مُصوَّرة !؟.

للإجابة على هذا السؤال، لابد أولا من الإشارة إلى أمر مهم :

من منظور نظريات الاتصال، الوسيط، أي وسيلة الاتصال، هو الذي يُحدِّد طبيعة الرسالة. فالتلفزيون وسيط سمعي-بصري، بينما الإذاعة وسيط سمعي خالص، هذا التمييز ليس شكليا فقط، بل يؤسس لاختلاف عميق في آليات البناء الدرامي.

ففي الدراما التلفزيونية، الصورة عنصر مركزي في إنتاج المعنى، انطلاقا من تعبير الوجه، وحركة الجسد، ورصد الكاميرا للمكونات البصرية، والإضاءة، وزوايا التصوير، والإيقاع البصري، وكلها مكونات تشارك في السرد البصري، لذلك تُبنى الكتابة التلفزيونية على قاعدة :

«أرِني ولا تخبرني»، بمعنى أن الحدث يجب أن يُرى، والصراع ينبغي أن يتجسّد بصريا.

أما في الدراما الإذاعية، فالصوت هو الأداة الوحيدة، وهنا يتحول الوصف من عيب إلى ضرورة، ويصبح الحوار وسيلة أساسية لخلق الصورة في خيال المستمع، بدءًا بالمؤثرات الصوتية، وطبقات النبرة الصوتية، والصمت، والإيقاع السمعي، وكلها أدوات تخلق عالما دراميا غير مرئي، لكنه مُتخيَّلٌ بقوة من طرف المستمعين.

في البناء الدرامي التلفزيوني، الحدث هو وحدة التغيير، إذ لا دراما بلا تحول، ولا تحول بلا فعل، فالتلفزيون بطبيعته البصرية، يقتضي أن يقع الفعل أمام المشاهد، وعندما يكتفي العمل الفني بشخصيات تجلس لتروي ما جرى خارج إطار الكاميرا، فإننا لا نتابع دراما، بل تقريرا يخلق الملل ويقتل الإبداع على مستوى الصورة والحدث الدرامي.

من منظور التحليل السيميائي، الصورة في الدراما ليست توثيقا للواقع، بل إنتاجا للمعنى، فكل لقطة تحمل دلالة. لذلك فإن غياب الفعل المرئي يفرغ الوسيط أو الوسيلة من طاقتها الدلالية، إذ يتحول الحوار إلى أداة تفسيرية زائدة، وتفقد الصورة وظيفتها السردية.

في المقابل، يسمح الراديو بأن يكون السرد ذاته جزءًا من الحدث، حيث يمكن للشخصية أن تحكي تجربة، ويصبح الحكي فعلا دراميا، لأن المستمع يبني المشهد في ذهنه، وهنا يتأسَّسُ التلقي على التخيُّل لا على المشاهدة.

ولا بد من الإشارة إلى أن التمثيل في التلفزيون يعتمد على الاقتصاد التعبيري، والكاميرا تلتقط أدق الارتعاشات وأصغر الإيماءات، لذلك يكون الأداء الناجح قائمًا على الدقة، وعلى توظيف الصمت والنظرة والحركة.

في الإذاعة، الصوت هو الجسد الوحيد المتاح، وكل انفعال يجب أن يُسمع، انطلاقا من النبرة، والإيقاع، والتنفس، والتلوين الصوتي، وهي وسائل بناء الشخصية، والفارق هنا ليس في جودة الأداء، بل في طبيعة الأدوات ... عند كتابة أدوار وأحداث تلفزيونية تعتمد فقط على الشرح اللفظي، فإنها تُفرغ الممثل من أدواته البصرية، وتحصره في وظيفة إلقائية، فيصبح الأداء أقرب إلى قراءة نص منه إلى تجسيد فعل درامي.

يمكن تفسير هذه الظاهرة بعدة عوامل، منها الضعف في تكوين كتاب السيناريو على مستوى خصوصية الوسيط، وأيضا ضغط الإنتاج الذي يدفع إلى ملء الزمن بالحوار بدل بناء مشاهد فعلية، وأحيانا هيمنة منطق «الكلام يساوي الدراما»، بينما مشاهد الحدث الدرامي تتطلب صرف الميزانية وعدم التقشف فيها أو نهبها.

الدراما ليست كمية جمل، بل شبكة أفعال وصراعات وتحولات، لأن المسلسلات والسلسلات والافلام التلفزيونية ليس منصة لإلقاء الأفكار، بل فضاء لتجسيدها بصريا، وكلما غاب الحدث وتضخم الشرح، اقترب العمل من منطق الإذاعة، حتى وإن ظل معروضا على الشاشة.

في الختام، الفرق بين المادة التلفزيونية والإذاعية ليس فرقا في القيمة، بل في البنية. التلفزيون فضاء للفعل المرئي، والراديو فضاء للصوت الخلاق، ولا يتحقق الإبداع والجودة إلا من خلال احترام خصوصية كل وسيط، لأنه شرط أساسي لبناء دراما متماسكة، وعندما تتحول الشاشة إلى منبر للثرثرة، وتغيب الحركة لصالح التفسير، فالمشكلة ليست في الجمهور ولا في الوسيط، بل في كتابة لم تدرك أن الصورة لغة قائمة بذاتها، وأن الدراما تُبنى بالفعل قبل أن تُبنى بالكلام.