سياسة واقتصاد

ملاحظات على هامش الوطن (ج1) المواطن...الحلقة(2) لماذا لم يعد أحد ينتظر الانتخابات؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

لا يتعلق الأمر بعزوف مفاجئ، ولا بقطيعة معلنة، بل بتحول أعمق وأكثر هدوءا. الانتخابات ما تزال تُنظم بانتظام، وتُحاط بكل شروطها القانونية، ومع ذلك لم تعد تُستقبل بالشعور نفسه. لم تعد تخلق ذلك الإحساس بأن البلاد تقف على لحظة يمكن أن تعيد تعريف شيء أساسي في مسارها.

ما تغير، في تقديري، ليس الانتخابات كآلية، بل معناها كاحتمال.

في مرحلة سابقة، كنت أفهم الانتخابات باعتبارها لحظة إنتاج للسلطة..أي أنها كانت تحمل، على الأقل نظريا ونفسيا، إمكانية أن تعيد تشكيل التوازنات، وأن تمنح الفائزين قدرة أوسع على توجيه القرار. هذا المعنى، حتى حين لم يتحقق بالكامل، كان كافيا ليجعل الانتظار جزءا من العملية السياسية نفسها.

تدريجيا، بدأ هذا التصور يتراجع.

صار هناك إدراك متنام بأن الانتخابات تمنح شرعية التمثيل، لكنها لا تعيد بالضرورة رسم حدود السلطة. تمنح موقعا داخل البنية، لكنها لا تعيد دائما تشكيل البنية نفسها. ومع الوقت، أصبح الفرق واضحا، في وعي المواطن، بين أن تختار من يتحدث باسمك، وبين أن تختار من يحدد الاتجاه العام.

هذا التحول لم يحدث بسبب عامل واحد، بل نتيجة مسار طويل عززت فيه الدولة موقعها كفاعل استراتيجي مستمر، بغض النظر عن التناوب السياسي. المشاريع الكبرى، والاختيارات الحاسمة، والاستراتيجيات بعيدة المدى، أصبحت تُفهم باعتبارها جزءا من استمرارية الدولة، و ليست نتيجة مباشرة للتنافس الانتخابي.

في هذا السياق، لم تعد الانتخابات تُرى باعتبارها لحظة تأسيس، بل لحظة تموقع.

حتى الخطاب الحزبي نفسه تكيف مع هذا الواقع. لم يعُد يعِد بتحولات جذرية، أو يتحدث عن تغيير المسار بل يعد بتحسين شروط التدبير و تحسين الأداء داخله. ومع تقارب الخطابات، تقلصت المسافة الرمزية بين الاختيارات، وتراجع الإحساس بأن النتيجة ستحمل فرقا نوعيا..شيئا فشيئا، فقدت الانتخابات عنصرها الأكثر حيوية: اللايقين.

واللايقين، رغم ما يسببه من قلق، هو ما يمنح السياسة معناها. لأنه يفتح المجال لإمكانية أن يحدث ما لم يكن متوقعا.

حين يختفي هذا الاحتمال، لا تختفي الانتخابات، لكنها تفقد قدرتها على إنتاج الانتظار.

المواطن، في هذه الحالة، لا ينسحب، ولا يحتج بالضرورة. هو فقط يعيد تعريف موقعه. يتابع، يلاحظ، وأحيانا يشارك، لكن دون ذلك الإحساس القديم بأن صوته قد يفتح أفقا مختلفا.

الأمر لا يتعلق برفض الانتخابات، بل بإعادة وضعها في حجمها الحقيقي كما صار يُدرك. آلية أساسية لتنظيم التمثيل، لكنها لم تعد، في نظر كثيرين، الآلية التي تصنع التحول.

وهذا، في العمق، هو التغيير الأكثر هدوءا.

أن تستمر الانتخابات… لكن يتوقف الانتظار..