يواجه الورش الوطني لتعميم الحماية الاجتماعية تحديات هيكلية جسيمة تضع استدامته على المحك، وذلك وفقاً لآخر المعطيات الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات. ورغم الطفرة النوعية التي حققتها المملكة في توسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية، إلا أن هذا التقدم العددي لم يواكبه إصلاح هيكلي موازٍ يضمن التوازن المالي، مما جعل المنظومة تنزلق نحو "هشاشة مالية" تهدد بتآكل مكتسباتها على المدى المتوسط، وتحولها من رافعة للعدالة الاجتماعية إلى عبء ثقيل على الميزانية العامة للدولة.
وتعكس لغة الأرقام فجوة مقلقة بين الموارد والنفقات، حيث سجلت أنظمة التأمين الصحي انفجاراً في وتيرة التكاليف التي قفزت من 13.62 مليار درهم في سنة 2022 إلى 24.95 مليار درهم في عام 2024، محققة زيادة قياسية بنسبة 83%. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة نمو الموارد والاشتراكات حاجز 36%، وهو اختلال حاد أدى إلى دخول أنظمة حيوية في دوامة العجز المالي والتقني؛ فمنظومة أجراء القطاع العام وحدها سجلت عجزاً إجمالياً ناهز 861.62 مليون درهم، بينما يعاني نظام "أمو الشامل" ونظام العمال غير الأجراء من نزيف مالي وتقني يضعف قدرتها على الصمود مستقبلاً.
وعلى مستوى المؤشرات الديموغرافية، نجح المغرب في رفع نسبة التغطية الصحية لتشمل حوالي 87% من الساكنة، حيث انتقل عدد المؤمنين من 26.84 مليون شخص إلى قرابة 32 مليون شخص خلال سنتين فقط. غير أن هذا النجاح الكمي يخفي وراءه اختلالات عميقة في "عدالة المساهمة"، حيث يظهر التقرير تفاوتاً صارخاً بين نظام "أمو تضامن" الذي تجاوز أهدافه المسطرة ليصل إلى 14.47 مليون مستفيد (بفارق كبير عن 11 مليون المستهدفة)، وبين نظام العمال غير الأجراء الذي فشل في استقطاب الفئات المعنية، إذ لم يتجاوز عدد المسجلين فيه 3.5 مليون شخص من أصل 11 مليوناً كانت متوقعة، مما أدى إلى إلقاء الثقل المالي كاملاً على كاهل الدولة.
إن الاستمرار في المقاربة الحالية، التي تعتمد على منطق التضامن الواسع دون إرساء آليات مساهمة حقيقية وملزمة للفئات القادرة، يهدد بتحويل منظومة الحماية الاجتماعية إلى "ثقب مالي" مزمن. ما يستوجب مراجعة شاملة وعاجلة لمنظومة التمويل، توازن بين الحق في العلاج وواجب المساهمة، لضمان انتقال المنظومة من مرحلة "التعميم العددي" إلى مرحلة "الاستدامة المؤسساتية" التي تحفظ حقوق الأجيال القادمة.






