يمثل انتخاب المغرب، الأربعاء 11 فبراير 2026، لعضوية مجلس السلم والأمن (PSC) التابع للاتحاد الإفريقي بأغلبية ساحقة (34 صوتاً ومن الدور الأول)، أكثر من مجرد فوز بمقعد؛ إنه "إعلان نصر" استراتيجي في معركة النفوذ داخل القارة. هذا الانتصار يأتي في سياق جيوسياسي استثنائي تميز بمحاولات حثيثة لعزل الرباط عبر تحالفات إقليمية ومناورات اللحظة الأخيرة.
انتخاب المغرب إذن لم يكن اجراء انتخابي بروتوكولي، بل كان اشتباكاً جيوسياسيا ناعماً حُسم لصالح الشرعية التاريخية والميدانية لثلاثة اسباب:
1. شرعية الإنجاز مقابل "اوهام" الأطروحة: فوز المغرب بأصوات ثلثي القارة يؤكد أن الدول الإفريقية باتت تُقدم "المقاربة التنموية والأمنية" التي يطرحها المغرب على "الخطاب الأيديولوجي" المتجاوز للانفصال.
2. حصر "الملف" في نيويورك: بوجود المغرب القوي في مجلس السلم والأمن الافريقي، يقطع الطريق على أي محاولة لإقحام الاتحاد الإفريقي في ملف الصحراء المغربية خارج إطار "الآلية الثلاثية" والقرار 693، مما يعزز حصرية الأمم المتحدة في رعاية هذا النزاع.
3. سياسة المقعد الشاغر أصبحت ماضياً: المغرب اليوم لا يكتفي بالحضور، بل بصناعة الأجندة الأمنية الإفريقية، مما يجعل أطروحة الانفصال "غريبة" داخل جهاز يركز على سيادة الدول ومحاربة الحركات المسلحة.
ومع ذلك لا يمكن فهم قيمة هذا الإنجاز الديبلوماسي دون وضعه في سياقه، فقد شهدت كواليس الانتخابات دراما دبلوماسية تمثلت في:
• انسحاب "البوليساريو" لفائدة ليبيا: كان ترشح الكيان الانفصالي في البداية مغامرة "انتحارية" اصطدمت بواقع موازين القوى. انسحابهم لم يكن "تكتيكاً" بقدر ما كان "هروباً" من هزيمة مدوية أمام المغرب، ومحاولة يائسة لدعم ليبيا كجدار صد ضد النفوذ المغربي في منطقة الشمال.
• ترويكا "تونس-ليبيا-الجزائر": واجه المغرب ما يشبه التكتل الثلاثي الذي حاول عزل الرباط في شمال افريقيا. لكن، وبشكل لافت، استطاع المغرب اختراق هذا الطوق عبر "أصدقائه الأفارقة" في غرب ووسط وشرق القارة، الذين يرون في المغرب شريكاً أمنياً موثوقاً (خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة).
وبالتالي نستطيع القول أن انتخاب المغرب يحمل 10 رسائل استراتيجية من قلب أديس أبابا"
1. الثقة القارية: حصول المغرب على 34 صوتاً يعكس "تزكية" إفريقية لمصداقية المملكة.
2. فشل العزل الإقليمي: التحالفات الضيقة في شمال إفريقيا لم تستطع الصمود أمام العمق الإفريقي للمغرب.
3. انتصار الدبلوماسية الهادئة: المغرب اشتغل بصمت، بينما اشتغل الخصوم بالضجيج الإعلامي.
4. تآكل أطروحة الانفصال: انسحاب البوليساريو يؤكد فقدانهم للبوصلة والقدرة على المنافسة القانونية.
5. السيادة الأمنية: المقعد يمنح المغرب حق "الفيتو" المعنوي والمشاركة في صنع قرارات التدخل وحل النزاعات.
6. رسالة إلى الخصوم: إفريقيا التي كانت تُستغل ضد المغرب، أصبحت اليوم هي الحصن المدافع عنه.
7. الريادة في محاربة الإرهاب: التصويت هو اعتراف بخبرة المغرب في تأمين الساحل والصحراء.
8. تثبيت مغربية الصحراء: الحضور في هذا المجلس يفرغ محاولات الانفصاليين من محتواها داخل أروقة الاتحاد.
9. المصداقية الدولية: مجلس الأمن الدولي سيتعامل مع مجلس السلم والأمن الإفريقي بوجود المغرب كطرف عاقل ومتزن.
10. مغرب القوة الأمنية فهذا الانتصار تكرس مملكة كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة أمنية قارية.
لقد أثبتت نتائج الاقتراع أن رصيد الصداقات والشراكات والعلاقات الذي بناه الملك محمد السادس منذ العودة في 2017 هو العملة الصعبة الحقيقية. المغرب لم ينتصر فقط بصوته، بل بتحالف الأوفياء الذين رفضوا منطق المحاور الضيقة واختاروا منطق "إفريقيا القوية" التي يمثل المغرب أحد أهم أعمدتها.






