تجد الجزائر وجبهة البوليساريو نفسيهما اليوم أمام مأزق مزدوج: مأزق سياسي وجودي، ومعضلة تواصلية غير مسبوقة، منذ افتعال النزاع حول الصحراء. فالتحدي لم يعد مرتبطا بإدارة التفاوض فحسب، بل بكيفية تسويق تحوّل جذري لقواعد شعبية جرى، لعقود، شحنها بخطاب “الاستقلال الكامل” و”تقرير المصير” بمعناه الانفصالي.
إن الجلوس إلى طاولة واحدة في مدريد (8-9 فبراير 2026) لمناقشة تفاصيل تقنية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، على ضوء قرار مجلس الأمن 2797، يفرض على هذه الأطراف ضرورة هندسة رواية بديلة، تتجاوز الشعارات الجامدة، وتؤسس لخطاب جديد يقوم على البراغماتية السياسية وتفادي المجهول.
في هذا السياق، يُرجح أن تلجأ الجزائر ومعها البوليساريو إلى إعادة تأطير الخطاب والتواصل حول الملف، من زاوية الانخراط في مشروع الحكم الذاتي باعتباره “نضالا سياسيا من نوع جديد”، هدفه انتزاع أقصى درجات التدبير الذاتي وضمان حقوق الساكنة، مع ربط هذا التحول بحزمة وعود تنموية وضمانات دولية تُقدَّم بوصفها “مخرجا مشرفا” يحفظ ماء الوجه أمام رأي عام داخلي مُثقل بإرث الوعود غير القابلة للتحقق.
الحسم “الترامبي”
يؤشر الحضور اللافت لشخصيات أمريكية وازنة، من قبيل مسعد بولس ومايك والتز، إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتعامل مع ملف الصحراء بمنطق الحسم النهائي لا التدبير المرحلي. فالأمر لا يتعلق بتحركات بروتوكولية، بل بإرادة سياسية واضحة للانتقال من سياسة “إدارة النزاع” إلى “تصفيته” ضمن مقاربة جيوسياسية شاملة تندرج في إطار ما يمكن تسميته بـ”الصفقة الكبرى”.
وجود ما يُعرف بـ”صقور الإدارة الأمريكية” في قلب النقاشات، بل هندستها لتلك النقاشات، يبعث برسالة لا لبس فيها: ملف الصحراء بات يُنظر إليه كعامل تعطيل مباشر للأمن القومي الأمريكي، واستقرار الضفة الغربية للمتوسط، ومسارات الطاقة العابرة للأطلسي. وعليه، لم يعد هناك مجال للمناورة خارج سقف السيادة المغربية، وهو ما يضع الأطراف المناوئة أمام خيارين أحلاهما مر: الالتحاق بمسار التسوية، أو مواجهة عزلة دولية متفاقمة قد تتطور إلى تصنيفات سياسية وأمنية أكثر تشددا.
الاختراق المغربي والتحول الاستراتيجي للجزائر
داخل “الغرف المغلقة” بمدريد، حققت الرباط اختراقا نوعيا بتقديم مسودة مُحدَّثة لمبادرة الحكم الذاتي، في وثيقة تقنية-قانونية ‘متكاملة’ تقارب أربعين صفحة، حسب ما رشح لحد الآن. لم تكتف هذه المسودة بتجديد المبادئ العامة، بل ذهبت بعيدا في تفصيل ما يمكن تسميته بـ”هندسة السيادة”، من خلال تحديد دقيق لاختصاصات الهيئات التشريعية والقضائية والأمنية المحلية، قد يتطلب إصلاحات دستورية.
هذا التطور نقل النقاش من مستوى المواقف السياسية إلى مستوى الآليات التنفيذية، حيث انصبّ التركيز على ضمانات التنزيل، وصيغ الإدماج المؤسساتي لقيادات من البوليساريو في الهياكل الجديدة، وفق منطق الانتقال السياسي المنضبط.
التحول الحاصل دفع الجزائر، لأول مرة، إلى الحضور بصفتها طرفا مباشرا، في تحول استراتيجي يعكس إدراك صانع القرار في قصر المرادية بأن سياسة “اللاحرب واللاسلم” استُنفذت، وأن الضغوط الأمريكية-الأوروبية لم تعد تقبل بإبقاء المنطقة في وضع رمادي يُعيق تدفقات الطاقة ومشاريع الربط الأطلسي الكبرى.
الحسم وبناء السلم
بناء على مخرجات لقاء مدريد، يتجه المشهد نحو سيناريو توافق مرحلي قد يُتوَّج بإعلان مبادئ يُشكل الأساس لما قد يُعرف لائحقا بـ”اتفاق مدريد 2026″. ويهدف هذا المسار إلى وضع خارطة طريق زمنية واضحة لتنزيل الحكم الذاتي، مقرونة بتفكيك تدريجي لمخيمات تندوف، مقابل عفو شامل وضمانات سياسية وأمنية دولية.
هذا التوافق سيمهّد، على الأرجح، لقمة حاسمة في واشنطن، تقول التوقعات إنها ستكون شهر مايو المقبل، وستُتوج بتوقيع الاتفاق الإطاري النهائي برعاية أمريكية-أممية، مانحا الحل المغربي شرعية دولية تُنهي النزاع قانونيا وسياسيا، وتفتح المجال أمام موجة استثمارات عالمية كبرى في الأقاليم الجنوبية.
في المقابل، يبرز سيناريو “الاندماج عبر التنمية” كشرط أساسي لاستدامة الحل، من خلال ربط الحكم الذاتي بإطلاق برامج تنموي ضخمة أشبه بـ”مارشال إقليمي”، يدمج الصحراء في سلاسل القيمة العالمية، خصوصا مع تقدم التخطيط أو التنفيذ في مشاريع استراتيجية كبرى كأنبوب الغاز النيجيري-المغربي وميناء الداخلة الأطلسي.
وفي ظل هذا التحول، ستغدو أي محاولة للارتداد نحو العنف خيارا غير عقلاني اقتصاديا وسياسيا، ليترسخ واقع جديد تصبح فيه السيادة المغربية الضامن الوحيد للاستقرار، ومفتاحا لازدهار إقليمي يعيد تعريف الحدود من خطوط مواجهة إلى فضاءات للتكامل والتعاون.
مكاسب الجزائر
على المستوى الاستراتيجي، يتيح هذا المسار للجزائر الخروج من وضعية الاستنزاف المزمن المرتبطة بنزاع طال أمده، واستعادة هامش أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والإقليمية. فطي ملف الصحراء، أو وضعه على سكة تسوية نهائية، من شأنه تخفيف منسوب التوتر على حدودها الغربية، وتقليص الكلفة العسكرية والدبلوماسية المرتبطة بحالة اللاحرب واللاسلم، بما يسمح بتحويل الموارد نحو تحديات أكثر إلحاحا، خصوصا في فضاء الساحل الذي يشهد تحولات أمنية معقدة وتنافسا دوليا متصاعدا.
اقتصاديا، يمنح الاستقرار الإقليمي الجزائر فرصة الاندماج في ديناميات تنموية كانت معطلة بفعل النزاع، سواء عبر الاستفادة غير المباشرة من مشاريع الربط الأطلسي والبنى التحتية العابرة للحدود، أو عبر الانخراط في سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة والنقل واللوجستيك. كما يخفف إنهاء النزاع من الأعباء المالية والسياسية المرتبطة بإدارة ملف تندوف، ويعيد توجيه الجهد العمومي نحو رهانات داخلية، في مقدمتها تنويع الاقتصاد وتحسين الجاذبية الاستثمارية في سياق دولي يتسم بتزايد المنافسة على الموارد والأسواق.
دبلوماسيا، يتيح الانتقال الجاد من منطق الصراع المغلق إلى موقع الشريك أو الضامن في مسار التسوية للجزائر إعادة تموقعها كفاعل إقليمي براغماتي، قادر على التكيف مع التحولات الجيوسياسية بدل الاصطدام بها. هذا التحول، إذا ما أُحسن تدبيره خطابيا وسياسيا، قد يُقدم داخليا بوصفه خيارا سياديا عقلانيا يحمي المصالح العليا للدولة، ويمنح الجزائر رصيدا تفاوضيا جديدا في علاقاتها مع القوى الكبرى، بعيدا عن كلفة الرهانات الجامدة التي استنفدت وظائفها السياسية والاستراتيجية.






