تفاءل المغاربة قبل حوالي 18 سنة حين انطلق مشروع المغرب الأخضر. كانت الأهداف كبيرة و أهمها تحويل الفلاحة في المغرب لكي يزيد الإنتاج و التشغيل ، و تتراجع الفوارق بين الفلاح الكبير و الفلاح الذي يعيش على الكفاف. ارتفعت الأرقام في مجال الإستثمار، و خصوصا العمومي ، لتتجاوز 100 مليار درهم. و ارتفع دعم الدولة لكبار الفلاحين بشكل كبير بالإضافة إلى كرم ضريبي غير مسبوق . زاد دعم التصدير عبر تمويلات سلاسل الإنتاج النباتي و الحيواني ، و لم تصل خيرات هذا الأخضر الذي كان " مغربا " فأصبح " جيلا " لكي تصل إلى الفلاحة التي تسمى تقليدية خصص لها برنامج رفع شعار " الفلاحة التضامنية" . ارتفعت أرقام الصادرات و ارتفعت أيضا وارداتنا من المواد الغذائية لتتجاوزها. و نتج عن هذه الارتفاعات عجز تجاوز 8 مليار درهم في 2025. تم خلق مناصب شغل لم تصل إلى ذلك إلى خلق 1،5 مليون منصب شغل في القطاع الفلاحي. و ظلت الفوارق الإجتماعية و المجالية تعكس ضعف دعم الفلاحة التضامنية، و تكتب عنوان المغرب الذي يسير بسرعتين. يغتني المصدر صاحب الاستهلاكية الكبرى المستفيدة من أموال دافعي الضرائب، و يكتوي ذووا الدخل المحدود يوميا بأسعار الخضر و الفواكه و اللحوم و الأسماك. يتمنى كل متابع لهذا الموضوع أن يتم البحث في نتائج كرم الدولة، عبر صندوق التنمية الفلاحية و النفقات ، و ربطها بنتائج السياسة الفلاحية مقارنة بأهدافها سنة 2008 ، و بمن كان المستفيد الأكبر منها. لا يمكن أن يتم تقييم سياسة عمومية من خلال أرقام جوفاء لا تتعلق بالتشغيل و بقدرة المواطن على الولوج إلى السوق ، و خصوصا بضمان الأمن الغذائي لبلادنا. و لكن مستوى استيرادنا للمواد الغذائية لا يشكل عنصر اطمئنان على مسار سياسة عمومية تم احتضانها بسخاء كبير.
لا يوجد أي مغربي لم تسكن قلبه فرحة برجوع موسم الأمطار إلى ديارنا و أراضيها. عمت البهجة و الحبور كل ربوع الوطن. قد يكتشف جيل " الجفاف و الأزمات " هذا الوضع الجديد بكثير من الاندهاش، و قد يجب أن ننعش أمله، بعد سنوات عجاف، بمعلومات عن علاقات جميلة للمغاربة مع الأمطار و الثلوج ، و مع جريان الأنهار و امتلاء السدود. لم نكن نطرح أسئلة كثيرة عن شح المياه قبل ستين سنة، و ذلك رغم تعاقب فترات جفاف لم تؤثر كثيرا على علاقاتنا بالبرد و بالرعد و بالثلوج و عواصف الخريف و الشتاء. كان جيلنا السبعيني يعيش الفصول الأربعة بكل ألوانها، كما كان يعرف أن الفقر و التهميش لا تؤثر فيه اختيارات أصحاب قرارات صنع التهميش. حصلنا على إستقلال البلاد، و ظلت الثروات الفلاحية بين أيدي تلك الاقلية التي كرست الفوارق المجالية و الإجتماعية. نعم أستمرت بلادنا في سياسة بناء السدود. و لكن الفرق بين " المغرب النافع و المغرب غير النافع" ظل جاثما على واقع الحدود بين أبناء الوطن الواحد.
كان من اللازم التذكير بأن المطر، و ما يتيحه من خيرات، يوجد في قلب بنيات الحكامة و التحكم في الأرض و في إنتاج أو عدم إنتاج قوانين تملك أهم آلية للإنتاج الزراعي، و هي تملك الأراضي. قال أحد من سبقوا المارشال اليوطي إلى المغرب ما معناه أن التحكم في إدارة المغرب يخضع للأمطار . و لا يمكن أن نعزل هذا الكلام عن مبتغى الإستعمار الفرنسي و الإسباني اللذان كان همهما إستغلال ثروات كل البلدان التي استعمروها. و لكن عقلية المستعمر أستمرت، بعد الاستقلال، عبر الاستيلاء على الأراضي ، و تمكين فئة من المغاربة من لعب دور ذلك المستمر في إعادة إنتاج التفاوتات المجالية و الإجتماعية. و هكذا أصبح أكبر همنا، و المقصود هم المستفيدين من تركة الإستعمار، هو تصدير خيرات أراضينا لأسواق خارجية بأسعار مربحة لأقلية، لكنها أكثر ردعا للقوة الشرائية لذوي الدخل المحدود في اسواقنا الداخلية. و هكذا أصبح الميزان التجاري الغذائي المغربي يسجل عجزا بلغ في نهاية 2025 ما قدره حوالي 8 ملايير درهم. نصدر خضرا و فواكها و أسماك و بعض الأغذية المصنعة بقيمة تعادل حوالي 87 مليار درهم. و تظهر أرقام الاستيراد أن التكلفة تجاوزت 94 مليار درهم. و تضم هذه التكلفة إستيراد لحوم و حبوب و منتجات غذائية أخرى. و يا ليت المعطيات الجمركية ، و تلك التي لدي مكتب الصرف تفصل مكونات ما يسمى " بالمنتجات الأخرى ". و لا أظن أن أغلبها منتجات تتوجه لتغطية حاجيات غذائية تهم الفئات الإجتماعية ذات الدخل المحدود. فهنيئا لمستوردي الكافيار و السلمون و الأنواع الفاخرة من الأطباق و المشروبات التي تنعم بها فئات من الداخل و الخارج و التي تساهم في ثقل فاتورة الاستيراد.
و بالرجوع إلى الأمطار الغزيرة التي رجعت إلى بلادنا بعد غياب طويل، لا يجب أن ننسى أن آثارها الإيجابية كبير. ستمتلئ السدود، و تتوفر مياه الشرب، و ستتوفر مياه السقي للفلاحة. و سيستفيد الكثيرون من منتجي منتجات توجه أساسا للمستهلك الأوروبي و الأمريكي و حتي للأسيوي و الأسترالي. و سيشكو ذلك المواطن الذي عانى من الفيضانات و يصبر. و ستظل الفوارق الإجتماعية و المجالية تفرض على الدولة، بكافة مواردها المؤسساتية و البشرية، أن تقوم بدورها الطبيعي في مواجهة الأزمات. و ستمر الفيضانات، و سيزدهر معها إنتاجنا من الخضر و الفواكه. و لكن الثابت هو أن الاستهلاكيات الكبرى ستتوجه إلى الاستجابة لمتطلبات المستهلك الأجنبي في البدء، قبل أن تفكر في رفع المعاناة عن المستهلك المغربي ذو الدخل المحدود. ستستمر هذه الاستهلاكيات في الخضوع لضريبة خفيفة جدا، و في الإستفادة من صناديق دعم الإنتاج كيفما كان الطقس، و كيفها كانت آثار الفيضان أو الجفاف على كثير من مناطق المغرب. لن تتراجع أسعار الخضر و الفواكه، و لن تتراجع أسعار اللحوم البيضاء و الحمراء، و لن تتراجع أسعار الأسماك و ذلك بسبب إصرار تلك الفئة القليلة من المستفدين على عدم التراجع عن حصتهم الكبيرة في خيرات الوطن. و سيستمر الكرم الحكومي المتحكم في المال العام في إعادة إنتاج ما تم من دعم مالي لمستوردي اللحوم. و سنرى ذلك مجددا، و نتمنى أن لا يتجدد، خلال الشهور القليلة التي تفصلنا عن عيد الأضحى. و إلى ذلك الحين فكيلو لحم الغنم تجاوز 130 درهم. و أدام الله علينا نعمة مطر تواكبها حكامة تحاكم السماسرة و الذين يريدون بالوطن شرا.
تذكرت يوما حللت فيه بسوق الخضر و الفواكه، و لاحظت نوعا من البهجة على محيا البائع و المشتري. تراجعت آنذاك أسعار الطماطم. و كان السبب الأول يرتبط بتعرض المنتجين الإسبان و الفرنسيين على عبور تلك الطماطم، بينما ارتبط الثاني بتعرض اؤروبي على مستوى إستعمال مبيدات غير مرخصة. و رغم كل هذا شهدت الأسواق مناورة إدخال و إخراج الطماطم من أسواق الجملة في إتجاه أسواق التصدير. و سيظل السؤال المركزي مرتبطا بالهدف الأكبر للسياسة الفلاحية. هل نريد أن نستجيب أولا للمستهلك المغربي، أو لذلك الذي يوجد خارج حدودنا. خصص المغرب الأخضر و الجيل الأخضر كثيرا من المال العام لكي يستفيد المغاربة من ولوج غير صعب إلى السوق. و انهارت الأحلام أمام سيطرة تجار الأزمات. و كانت النتيجة أن اكتشفنا أنه لا يوجد إحصاء حقيقي للقطيع في بلادنا. و كانت الصدمة الكبرى في استفادة قلة من كرم الحكومة خلال عيد الأضحى و بعده. و ظل قرار المستفيدين فوق القرار السياسي الذي رفض تكوين لجنة رقابة برلمانية.






