واليوم، أعود إلى الفكرة نفسها، لكن من الداخل.
العين المغربية التي نطالب بها في قراءة قضايا الخارج، لا يليق بها أن تتحول إلى عين سياحية إذا نظرت إلى الوطن.
إما أن نُعمل المعيار نفس أو سنفقد البوصلة لا محالة.
كثيرون يُعجبون بمظاهر التنمية و أنا منهم محطات قطار حديثة، قطارات نظيفة، طرق سيارة ممتدة، ملاعب كرة القدم بمعايير عالمية ومشاريع تُلتقط لها الصور من الزاوية المناسبة. لا أحد ينكر هذه المنجزات، ولا جدوى من إنكارها. لكن المشكلة لا تكمن في وجودها، بل في الاكتفاء بها بوصفها دليلا كافيا على التقدم.
إذا قمنا بإدارة هذه الدولة كأنها تخاطب زائرا أكثر مما تخاطب مواطنا، ستصبح حينها الواجهة غاية، وتغيب البنية. وأنا كمواطنة، لا أعيش داخل محطة قطار، ولا أسكن فوق طريق سيارة ولا أقتات من عشب الملاعب و أولادي لا أعالجهم و أعلمهم بالفنادق المصنفة...لأني ببساطة مواطنة تعيش حيث تختبر التنمية، و ليس حيث تجمل الواجهة.
نعلم جميعا أن المواطن يختبر التنمية حين ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من الأجور، وتتآكل قدرته الشرائية بصمت يؤلمه.
ويختبرها حين يتأخر إصلاح التعليم، في الزمن و في المضمون و النتائج، وفي قدرته على إنتاج تكافؤ الفرص بدل أن يعيد إنتاج الفوارق، ويختبرها حين تراجع قطاع الصحة، فتحول العلاج من حق عمومي إلى امتياز مرتبط بالإمكانات. و اللي ما عنده جداته فالمعروف مشى خلا..
أنظر بالعين المغربية فأرى منازل تُهدم في عزّ الشتاء، وأخرى تنهار دون تعويض، في غياب شعور فعلي بالأمان السكني.
و أرى حقوقا اجتماعية تتم إدارتها بمنطق التوازنات والظرفية، بدل منطق الكرامة والاستدامة.
و أرى فسادا سياسيا لم يعد مجرد انطباع أو اتهام عام، بل واقعا موثقا كشفت عنه ملفات المحاكم و عدد سجناء اختلاس المال العام و الرشاوى و المحسوبية و القليشية رغم وجود الكثير خارج أسوار المحاسبة..
و أرى قوانين تُفصل أحيانا على مقاس نخبة بعينها بما يُضعف الإحساس بالعدالة القانونية.
و رأيت دولة تُراكم قروضا خارجية بينما يظل أثرها محدودا جدا في تحسين شروط العيش اليومية.
و الطامة الأشد أني أرى صحافة يُفترض أن تراقب وتساءل لكنها تختار أحيانا المسايرة، أو الصمت، أو الابتزاز بل التخصص في وضع الرتوش في مواضع عدة بدل القيام بدورها الرقابي.
و أرى فسادا يستشري علنا في أكثر من قطاع، حتى فقد عنصر الدهشة وأصبح جزءا من المشهد العادي.
وفي قاع هذا كله رأيت مازاد ألمي و وجعي على وطني، رأيت إنسانا وحيوانا في بلده بلا مأوى، بلا علاج، بلا حماية، كأن الهشاشة لم تعد نتيجة السياسات بل أصبحت قدرا على كل الكائنات في هذه البقعة الجغرافية العزيزة .
من يعتبرها نظرة سوداوية عليه قراءة البلد من الداخل، قراءة من موقع العيش و ليس من موقع العرض.
و كما قلتُ سابقا العين المغربية ليست رفضا للقيم، ولا عداء للإنسانية.
هي فقط رفض لخلط المستويات، سواء في السياسة الخارجية أو في الشأن الداخلي.
لن أُصفق للواجهة وأغض الطرف عن البنية، ولن أُدين الخارج وأُجامل الداخل.
المعيار واحد: ما الذي يخدم كرامة المواطن؟ وما الذي يُبنى عليه مستقبل هذا البلد؟
لا يمكنني و لا يحق لي و لا أسمح لنفسي أن أرى الوطن بعين السائحة، لأنني ببساطة لن أغادره بعد التقاط الصورة، أنا باقية هنا و أولادي يكبرون هنا فأين المفر..
لذلك أراه بعين من سيبقى، فحين تنتهي الحملات و التظاهرات و المهرجانات وتُطفأ الكاميرات، ويُطلب من التنمية أن تبرّر نفسها. هناك فقط،
بعيدا عن الواجهة واللقطات الرسمية،
يُعرف إن كانت البنية صلبة فعلا،
أم أن الواجهة كانت كل الحكاية و البقية تم حجبه وراء ستائر الخذلان، و يا لمزوق من برى آش اخبارك من لداخل..






