لم يعد مقبولا في عالم اليوم أن تبقى الدول العربية، الممتدة من المحيط إلى الخليج، أسيرة خلافات سياسية وصراعات هامشية أنهكت شعوبها واستنزفت طاقاتها، بينما العالم من حولها يتجه بسرعة نحو التكتلات الكبرى والتحالفات الإستراتيجية التي تحمي المصالح المشتركة وتفرض التوازنات الدولية. لقد أصبح واضحا أن زمن الدول المتفرقة قد انتهى، وأن البقاء للأقوياء القادرين على توحيد جهودهم وبناء منظومات دفاع جماعي متماسكة.
وفي الوقت الذي استطاعت فيه دول عديدة أن تؤسس تحالفات عسكرية قوية، على غرار حلف شمال الأطلسي، ما تزال الدول العربية، وعددها اثنتان وعشرون دولة، عاجزة عن الارتقاء بتعاونها العسكري إلى مستوى التحديات التي تواجهها. فبدل أن تتحول الإمكانيات الهائلة التي تزخر بها المنطقة العربية إلى قوة استراتيجية ضاربة، ظلت هذه الإمكانيات مشتتة ومبددة بسبب الحسابات الضيقة والصراعات العربية – العربية التي لا تخدم إلا مصالح القوى الأجنبية المتربصة بالمنطقة.
إن العالم العربي لا تنقصه الموارد ولا الإمكانات. فهو يمتلك ثروات طبيعية هائلة، وموقعا جيوسياسيا بالغ الأهمية، وجيوشا مدربة، فضلا عن طاقات بشرية شابة قادرة على البناء والعطاء. ومع ذلك، فإن غياب رؤية عربية موحدة للأمن الجماعي جعل المنطقة ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية والتدخلات الخارجية.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى التفكير الجاد في تأسيس حلف عسكري عربي مستقل، يقوم على منطق المصالح الإستراتيجية المشتركة، ويهدف إلى حماية الدول العربية من كل التهديدات التي قد تطال أمنها واستقرارها. حلف عربي قوي، لا يخضع للحسابات الضيقة ولا يتأثر بالخلافات الظرفية، بل يرتكز على مبدأ الدفاع المشترك والتضامن العسكري الحقيقي.
إن إنشاء مثل هذا الحلف من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة للتعاون العربي، بدءا من توحيد العقيدة العسكرية، مرورا بتنسيق أنظمة الدفاع والتسليح، وصولا إلى تطوير صناعة عسكرية عربية مشتركة تقلص من التبعية للخارج وتمنح القرار العربي استقلاليته الحقيقية. كما يمكن لهذا الحلف أن يؤسس لقوة تدخل عربية مشتركة قادرة على التحرك بسرعة لاحتواء الأزمات وحماية الدول الأعضاء من أي تهديد.
غير أن تحقيق هذا المشروع لن يكون ممكنا دون توفر إرادة سياسية شجاعة لدى القيادات العربية، إرادة تقطع مع منطق الشكوك المتبادلة وتضع مصلحة الأمة العربية فوق كل اعتبار. فالتاريخ لن يرحم أمة تملك كل مقومات القوة لكنها تعجز عن توحيد صفوفها بسبب خلافات ثانوية وصراعات لا طائل منها.
لقد آن الأوان للدول العربية أن تدرك أن أمنها لا يمكن أن يبقى رهينة التحالفات الخارجية، وأن مستقبلها يقتضي بناء منظومة دفاعية عربية حقيقية تعكس قوة المنطقة وإمكاناتها. فالتحديات التي تواجه العالم العربي اليوم أكبر من أن تتحملها دولة بمفردها، وأخطر من أن تُترك لميزان القوى الإقليمي والدولي.
إن اللحظة الراهنة تفرض على القادة العرب مراجعة عميقة لمسار العمل العربي المشترك، والتفكير بجرأة في مشروع تاريخي يؤسس لحلف عسكري عربي قوي، مستقل في قراره، موحد في أهدافه، وقادر على حماية الأمن العربي من المحيط إلى الخليج.
فإما أن تختار الدول العربية طريق الوحدة والقوة، وإما أن تظل أسيرة التشتت والضعف في عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك عناصر القوة ويعرف كيف يوحدها في خدمة مصالحه الإستراتيجية.






