حين كنتُ طفلة في وجدة، كانت التلفزة الجزائرية نافذتنا الصغيرة على العالم. كنا نتابعها بشغف، نحفظ أصوات الممثلين ونعيش تفاصيل الحكايات التي تشبه حياتنا. أذكر عملاً درامياً بعنوان دار سبيطار، كان يصوّر الطبقة الكادحة بكل ما فيها من ألمٍ ودهاءٍ وسخريةٍ من الواقع. بيتٌ واحد يضم وجوه البسطاء، مناضلين صامتين في معركة العيش، يبحثون عن الكرامة بين جدران الفقر.
واليوم، بعد سنوات طويلة، وجدت دار سبيطار من جديد.
لكنها ليست على الشاشة هذه المرة، بل في تامسنا.
تامسنا… مدينة حديثة على الورق، لكنها في الحقيقة منفى حضري جمع أبناء الدواوير من كل الجهات. تركوا بيوتهم القديمة بحثاً عن حياةٍ كريمة، فجاءوا إلى شقق صغيرة في عمارات رمادية متشابهة، يحذوهم الأمل في بدايةٍ جديدة. لكنهم وجدوا أنفسهم في عزلةٍ قاسية، بلا عمل، بلا مرافق، بلا صوت.
تامسنا لا تملك مستشفىً يلجأ إليه المرضى، ولا مصانع أو شركات توفر شغلاً لساكنتها. حتى المواصلات لا تتجاوز خطين متعبين لا يصلان إلى كل الأحياء.
المدينة تشبه جزيرة معزولة على هامش الخريطة، كأنها وُجدت لتُنسى.
مسؤولوها لا يعرفون عنها شيئاً، لا يزورونها إلا في المواسم الرسمية. أما شبابها، فقد ضاعت أحلامهم بين البطالة والمخدرات، يملؤون الأزقة بفراغٍ ثقيل، كأنهم يكتبون بصمتهم قصة جيلٍ يُحاول البقاء في وطنٍ لا يسمعه.
تامسنا هي “دار سبيطار” العصر الجديد:
مدينةٌ للفقراء الذين حُشروا في بنايات بلا حياة،
يحكمهم قانون البقاء، وتجمعهم الحيلة والدهاء،
يضحكون رغم المرارة، ويخترعون وسائل صغيرة ليعيشوا في عالمٍ كبيرٍ لا يراهم.
ربما سيأتي يومٌ تُصبح فيه لتامسنا مستشفى يضمد جراحها، ومصنعٌ يفتح أبواب الأمل، ومسؤولٌ يلتفت إلى معاناتها.
لكن إلى أن يحدث ذلك، ستبقى تامسنا عنواناً آخر من عناوين المغرب المنسي،
حكاية مدينةٍ لم تُكتب بعد، لكنها تُروى كل يوم بوجوه الناس الذين يسكنونها.






