مجتمع وحوداث

ليس المهم ما يوجد في القِدْر بل المهم أن يكون القدر فوق نار مشتعلة...

عبد العزيز بن صالح (تدوينة)

بارك الله في حكومتنا… تحملت عنا عبء النار وتركت لنا عبء الحياة

حقّا، لا يسع المواطن المغربي اليوم إلا أن يرفع أكفّ الضراعة شكرا وامتنانا لحكومته الرشيدة، التي أبت إلا أن تشاركه همومه، بل وتخفف عنه واحدا من أثقل الأعباء: 78 درهمًا عن كل قنينة غاز. يا لروعة هذا الحس الاجتماعي! يا لعظمة هذا الإحساس النبيل بمعاناة الناس!

في زمنٍ صار فيه اللحم ضيفا نادرا على الموائد، لا يزور البيوت إلا في المناسبات الكبرى وصار السمك ابن البحر الذي يحيط بنا أشبه بكائن أسطوري لا نراه إلا في الأسواق من وراء الزجاج، كان لابد للحكومة أن تتدخل. ليس لتخفيف أسعار المواد الغذائية ولا لكبح جشع المضاربين ولا لإنقاذ القدرة الشرائية التي تتآكل كل يوم، بل لشيء أهم بكثير: أن تضمن للمواطن نارا يطهو عليها جوعه.

فما فائدة أن يجد المواطن نفسه عاجزا عن شراء كيلو لحم أو سمك أو حتى خضرٍ باتت أسعارها تنافس المزاج الأوروبي، إذا لم يجد نارا يشعلها؟ الحكومة بعينها الثاقبة، أدركت جوهر المشكلة: ليس المهم ما يوجد في القدر بل المهم أن يكون القدر فوق نار مشتعلة.

نحن نتحمل الغلاء في كل شيء: في اللحم الذي صار يُشترى بالاوقية ، في السمك الذي أصبح يسبح بعيدا عن جيوبنا، في الزيت والسكر والدقيق، في فاتورة الطبيب التي تُمرض قبل أن تُعالج، في المدارس الخصوصية التي صارت فرضا لا اختيارا، وفي الكراء الذي يلتهم نصف الراتب قبل أن يبدأ الشهر. أما هي، فقد تكفلت مشكورةً بعبء النار. وكأنها تقول لنا بلطف أمومي: “أما الجوع فأنتم أدرى به، لكن لا تقلقوا، سنوفر لكم وسيلة تسخينه.”

إنها مفارقة تليق بزمننا: المواطن قد لا يجد ما يضعه في المقلاة، لكن الحكومة تضمن له أن المقلاة لن تبقى باردة. قد يكتفي بغلي الماء، أو بإعداد كأس شاي يواسي به نفسه، أو ربما يشعل الموقد فقط ليتأمل ألسنة اللهب وهي تلتهم ما تبقى من أحلام الطبقة الاجتماعية.

إنها حكومة تخاف علينا من النار، لا من نار الأسعار، بل من نار الغاز. أما نار السوق، ونار الجشع، ونار المصحات، ونار الكراء، فتلك نيران أخرى يبدو أنها لا تدخل ضمن اختصاصاتها.

فبارك الله في حكومتنا، التي تحملت عنا عبء النار، وتركَت لنا، بكل كرم، عبء الحياة.