قضايا

السياسة …أين الخلل؟

عبد الرفيع حمضي
لست أدري ماهو التخصص سواء في العلوم الصرفة Sciences Pures أو العلوم الإنسانية، الذي يمكن أن يفكك لغز العلاقة المتوترة بين المغاربة والسياسة.

فهل نُعيد الأمر لعلم الاجتماع الذي فكّك بنية المجتمع المغربي ووقف على تعدد أنماط الإنتاج السائدة والمتعايشة في نفس الوقت؟ وعن الاستعمار الذي أجهض التطور الطبيعي والداخلي للبنيات التقليدية الاقتصادية والاجتماعية المغربية؟ لينتج عن ذلك تساكن معقد بين عدة مؤسسات لتأطير المجتمع من القبيلة والزاوية والعائلة الممتدة، لينضاف اليها الحزب السياسي والنقابة العمالية والجمعية المدنية والجماعة الترابية وعلى مستوى أعلى البرلمان.

فاختلط هذا بذاك حتى أصبحنا مجتمعا مركبا société composite على حد تعبير بول باسكون Paul Pascon لانه ، لا يمكن اختزال بنيته في نمط انتاج واحد وموحد مهما كانت درجة انتشاره ،لأنه لا ينتمي إلى صنف المجتمعات المتجانسة sociétés homogènes التي قامت بتصفية حساباتها مع الماضي وتطورت في إطار مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل وواضح المعالم.

مناسبة هذا الكلام أنه يلاحظ ببلادنا ان الكل يَنْفُرُ من السياسة والسياسيين، ويتقززون منها حتى الذين يقتاتون منها وهي ولية نعمتهم. وهو امر تشترك فيه مختلف الأوساط الاجتماعية والعمرية والمهنية.

فمن منا لا يسمع يوميا (احنا هنا كان نخدمو مكاندروش السياسة)، سواء تعلق الأمر بإدارة او جمعية او فريق رياضي او جماعة محلية أو وزارة .

بل كم من وزير سياسي وبمجرد ما يصبح وزيرا يحاول ان يبعث لمن يهمهم الأمر إشارات (أنا راني مشي مع هادوك …)، ويحاول ان يقنع محيطه ويقول كونوا على بال أنا ليس الحزب لي جابني ".

فهل لان العمل السياسي الجاد في مرحلة معينة لم يكن هو الطريق إلى البرلمان اوالحكومة او الجماعة حتى؟ وانما كان سكة إلى أماكن اخرى باردة قليل منها كان معلوما وكثيرها كان مجهولا.

فهل يكون هذا الجبن قد تحول إلى تقزز وتنمر واستهزاء من العمل السياسي، رغم مصداقية عمل هيئة الإنصاف والمصالحة في طي صفحة الماضي وتصالح المغاربة بارادة جماعية مع تاريخهم السياسي؟ فعُوض المتضررون وكُشفت جل الحقيقة مع دخول المغرب العهد الجديد وتجربة التناوب السياسي الممأسس في دستور 2011 الذي أثنينا عليه جميعا .

فلكم ان تتخيلوا برلمانيين ووزراء لا يعتزون بالفعل السياسي والممارسة السياسية وهم يُشرعون ويدبرون لحاضر ومستقبل البلاد .

ولكم ان تلاحظوا بالعين المجردة، كيف اصبحت بنية الأحزاب، وكيف انتقلنا من منتسبين مناضلين مؤمنين بمنظومة فكرية وخط سياسي يدافعون عليه إلى منخرطين زبناء ينتظرون فضلات الريع كل حسب موقعه.

وفي الأخير فالسياسة التي وجدت لتدبير الشأن العام وتنظيم سلطة الحكم بتفويض من المواطنين. تفترض أن لها فرسانا يدافعون عن طهارتها، ونقاءها. وليس مجرد كائنات بشرية هي اول من فقدت الثقة في العمل السياسي. فكيف يمكن أن يطلب من المواطن أن يثق في السياسي، والسياسي لايثق في السياسة؟ وبالتالي لاغرابة إذا ما لاحظتم ان الناس يبحثون على صيغ اخرى (تنسيقيات وغيرها من الأشكال) لضمان المشاركة في القرار سواء كان سياسيا او اجتماعيا او مدنيا بدل الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية. إلا ان هذا الطريق يبقى مسدودا طبعا، وكل مغامرة لتجريبه هو فقط هدر للزمن السياسي بعدما تم هدر الزمن المدرسي .

وسواء هنا اوهناك يبقى الإنجاز على المستوى الاقتصادي والتنموي معلقا ما لم تتم حمايته سياسيا بفاعلين يدافعون عن منجزاتهم في الفضاء العمومي .

فالخلل ليس في السياسة، فمنذ الفيلسوف الإغريقي أفلاطون (380 ق م) وكتابه "الجمهورية "الذي يعد أقدم الأطروحات الفكرية عن السياسة في التراث الإنساني، إلى كل الفلاسفة المعاصرين مرور بأبي نصر محمد الفارابي صاحب أهم الكتب العربية التي تناولت العلوم السياسية بمنهج فلسفي، في زمن مبكر. "السياسة المدنية "

وانما الخلل في رجال ونساء السياسة اما التوازن فرهين بتعميق ونضج التجربة الديمقراطية سواء بمؤسساتنا المنتخبة او أحزابنا ونقاباتنا بل حتى بمنضماتنا المدنية والرياضية.