في خضم الجدل الذي أثير مع اشتداد التوترات في الشرق الأوسط، تبدو الحاجة ملحة إلى وقفة تأمل عقلانية تعيد ترتيب الأسئلة قبل إصدار الأحكام الأخلاقية والسياسية، فبعض الأصوات تحاول أن تُحمِّل من يرفض الاصطفاف إلى جانب النظام الإيراني تهمة الخيانة أو ضيق الأفق أو الانسياق وراء حسابات ضيقة، بينما الحقيقة أن الموقف السياسي الرصين نبنيه على قراءة المصالح الوطنية والوقائع التاريخية والمعطيات الجيوسياسية بدل الانفعال أو العاطفة.
ومن هذا المنطلق، يحق لنا أن نتساءل بصوت واضح: ما الذي يلزم المغاربة، أو أي شعب آخر، بالتضامن مع نظام سياسي لا تجمعه به أي روابط استراتيجية أو اقتصادية أو ثقافية حقيقية؟ دعونا نتقف أولا أن التضامن مع الشعب الإيراني وشعوب المنطقة تضامن إنساني مبدئي لا مشروط، ولا أحد هنا سيبرر قتل المدنيين أو أن يبيح إراقة الدماء، لكن حينما نمعن النظر في سجل العلاقات بين المغرب وإيران نجد فراغا واضحا على مستوى التعاون الاقتصادي والاستثماري، وضعفا شبه تام في المبادلات التجارية، فضلا عن غياب أي شراكة استراتيجية يمكن أن تبرر مطالبة المغاربة بالدفاع عن سياسات طهران أو التماهي مع خياراتها الجيوسياسية.
وإذا انتقلنا من مستوى التساؤل النظري إلى مستوى الوقائع السياسية، فإن السؤال يصبح أكثر حدة ووضوحا: كم مرة وقفت إيران إلى جانب المغرب في قضاياه المصيرية داخل المؤسسات الدولية؟ وكم مرة عبرت عن دعمها الصريح للوحدة الترابية للمملكة؟ هنا يمكن أن نجيب، بأن الذاكرة السياسية الوطنية، كما الوثائق الدبلوماسية المتاحة، لا تسجل أي موقف إيراني واضح يدعم مغربية الصحراء أو يعزز الطرح المغربي داخل الأمم المتحدة.
بل على العكس من ذلك، ظل الموقف الإيراني أقرب إلى الغموض أو الحياد السلبي في أحسن الأحوال، بينما تشير معطيات عديدة إلى وجود علاقات بين طهران وجبهة البوليساريو، سواء على مستوى الدعم السياسي أو من خلال شبكات إقليمية مرتبطة بمحور النفوذ الإيراني في المنطقة.
وهذه الوقائع تجعل من غير المنطقي مطالبة المغاربة بإظهار تضامن غير مشروط مع نظام لم يبد في أي لحظة تضامنا مماثلا مع قضاياهم الوطنية، فالدبلوماسية، كما يعرفها أهل الاختصاص، تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل وعلى تراكم الثقة والمواقف، بدل المجاملات الرنانة أو العواطف الجياشة.
ثم إن النقاش لا يمكن أن يتجاهل بعدا آخر يتعلق بطبيعة السياسة الإقليمية الإيرانية ذاتها. فطهران، منذ قيام نظام الجمهورية الإسلامية سنة 1979، تبنت استراتيجية تقوم على توسيع النفوذ عبر دعم جماعات مسلحة وتنظيمات موازية للدول في عدد من مناطق الشرق الأوسط، حيث تحولت بعض الدول إلى ساحات صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية.
ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن تنظر الدول العربية بعين القلق إلى السياسات الإيرانية التي تقوم على خلق شبكات نفوذ عسكرية وسياسية خارج الإطار الرسمي للدول، لذلك فإن رفض الاصطفاف مع النظام الإيراني، لا يعني بالضرورة تبني خطاب عدائي أو الانخراط في معسكرات متصارعة، لكنه قد يكون ببساطة تعبيرا عن قراءة واقعية لتوازنات المنطقة ومصالحها.
وفي الحالة المغربية تحديدا، لا يمكن فصل هذا النقاش عن طبيعة العلاقات التي تربط الرباط بدول الخليج العربي، فهذه العلاقات الوطيدة هي شبكة معقدة من الروابط السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تراكمت عبر عقود. فقد شكلت دول الخليج العربي، سندا واضحا للمغرب في العديد من القضايا، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.
وتكفي الإشارة إلى مواقف مجلس التعاون الخليجي المتكررة التي أعلنت بشكل صريح دعمها للوحدة الترابية للمملكة ومساندتها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا ونهائيا للنزاع المفتعل، كما أن التعاون الاقتصادي والاستثماري بين المغرب وهذه الدول بلغ مستويات مهمة، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو عبر الصناديق التنموية التي ساهمت في تمويل مشاريع بنيوية داخل المغرب، ومن الطبيعي أن يأخذ صانع القرار المغربي، وكذلك الرأي العام الوطني، هذه المعطيات بعين الاعتبار عند تحديد مواقفه تجاه التوترات الإقليمية.
إن موقف المغرب في هذا السياق يبدو منسجما مع منطق الدولة العاقلة التي تحرص على التوازن بين مبادئها ومصالحها، فالرباط بحسب وزارة الخارجية، ميزت بوضوح بين الشعب والنظام السياسي، وهذا التمييز يعكس نضجا دبلوماسيا وأخلاقيا، ومن هذا المنطلق، فإن التعاطف مع معاناة الشعب الإيراني أو مع ضحايا الصراعات في الشرق الأوسط لا يتناقض مع رفض السياسات التدخلية التي انتهجها النظام الإيراني لعقود، لهذا فإن المواقف السياسية الرصينة قادرة دائما على الجمع بين الحس الإنساني والواقعية الاستراتيجية.
في هذا الإطار، لا بد من العودة إلى مواقف مجلس التعاون الخليجي، وخاصة في دورته السادسة والأربعين المنعقدة في البحرين في دجنبر 2025، والتي قدم دليلا إضافيا على عمق التلاقي بين المغرب وهذه الدول في القضايا الاستراتيجية. فقد جدد المجلس في قمته الأخيرة، دعمه الثابت والصريح لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل سياسي للنزاع المفتعل، كما رحب بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي يعزز مسار التسوية تحت إشراف الأمم المتحدة، لهذا فإن هذه المواقف تعكس إرادة سياسية واضحة لدى دول الخليج في دعم وحدة المغرب واستقراره، وأننا حين نضع هذه المعطيات في ميزان العلاقات الدولية يصبح من الطبيعي أن يرى المغاربة في أمن واستقرار الخليج جزءا من أمنهم الاستراتيجي، تماما كما ترى دول الخليج في استقرار المغرب ركيزة للتوازن في الضفة الغربية من العالم العربي.
خلاصة القول، إن النقاش حول التضامن مع إيران يكشف في جوهره عن سوء فهم لطبيعة العلاقات الدولية ولمنطق المصالح المتبادلة بين الدول، وأن الأهم في هذا السياق، هو مدى انسجام المواقف السياسية مع المصالح الوطنية، ومع شبكة التحالفات الواقعية التي تشكلت عبر الزمن. ومن هذا المنظور، يبدو موقف المغرب، الرسمي والشعبي، موقفا منسجما مع خياره الدبلوماسي ومع أولوياته الاستراتيجية، وأن المغرب يختار دائما، أن يقف إلى جانب شركائه الذين دعموا دائما بشكل مبدئي وبدون تردد، قضية وحدته الترابية، وأنه يحافظ في الوقت نفسه، على مسافة نقدية من السياسات التي يعتبرها مهددة لاستقرار المنطقة.
إن هذه المقاربة لا تعكس ضعفا أو انحيازا أعمى، لكنه تعبر في العمق، عن وعي سياسي رصين بأن التضامن الحقيقي بين الدول هو نتاج لذلك التراكم التاريخي للمواقف، وعلى المصالح المشتركة التي تصنع في النهاية ما يسمى بمعنى الشراكة الاستراتيجية بين الأمم.






