تحليل

فِي التَّلازُمِ بين اسْتِمرَارِيَّةِ الدَّولةِ وَالشَّرعِيَّةِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ

يوسف اغويركات

تفاعلا مع ما كتبه الصديق العزيز جمال العسري حول تسليم السلط وتنصيب الحكومة

أعاد الحراك المؤسساتي المواكب لتشكيل الحكومة الجديدة، وفتح مساطر تسليم السلط، نقاشا دستوريا قديما متجددا حول الوضعية القانونية للحكومة في المرحلة الفاصلة بين التعيين الملكي والتنصيب البرلماني. وينقسم هذا النقاش بين قراءتين: الأولى سياسية ديمقراطية ترى أن الحكومة لا تكتسب شرعيتها الكاملة إلا بنيل ثقة مجلس النواب على أساس الفصل 88 من الدستور، وأن كل ممارسة قبل ذلك تستوجب الحذر. والثانية مؤسساتية تستند إلى القوانين التنظيمية والأعراف الدستورية ومبدأ استمرارية المرفق العام. وكلتا القراءتين تنطلق من مبدأ وجيه، ولذلك فإن الأنسب مقاربة نسقية تجمع بينهما، تحمي ديمومة الدولة الإدارية وتحترم في الوقت نفسه سلطة الأمة وشرعيتها التمثيلية.

الصفة القانونية والصلاحية السياسية

يقوم الدستور المغربي على ثنائية إجرائية واضحة. فالتعيين الملكي يمنح رئيس الحكومة والوزراء الوجود المؤسساتي والصفة القانونية بوصفهم أعضاء في السلطة التنفيذية. غير أن هذا التعيين مقيّد وظيفيا، إذ يتيح للحكومة ممارسة الصلاحيات التقنية المرتبطة بتصريف الأعمال الجارية وإعداد برنامجها (تطبيقا للمادة 37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها)، لكنه لا يخولها ممارسة السياسات العمومية الكبرى أو إطلاق المبادرة التشريعية.

أما التنصيب البرلماني فيمنح الحكومة الصلاحية السياسية والتشريعية الكاملة. فالبرلمان، بوصفه ممثلا لسيادة الأمة، هو مصدر التفويض السياسي الذي لا تستطيع الحكومة بدونه أن تتحمل مسؤوليتها أو تنزل اختياراتها الاستراتيجية.

تسليم السلط: ضرورة تقنية لا التفاف سياسي

تأسيسا على هذا التمييز، لا يمكن تكييف تسليم السلط داخل القطاعات الوزارية على أنه تجاوز لسلطة البرلمان. فالدولة لا تحتمل الفراغ، ومبدأ استمرارية المرفق العام يتقدم على الزمن السياسي لتشكيل الحكومات. وتسليم السلط نقل للمسؤولية الإدارية اليومية يضمن عدم شلل القطاعات الحيوية، وهو لا يتضمن ممارسة صلاحيات سياسية جديدة، ولا يحسم في توجهات الحكومة المقبلة.

ومع ذلك، فإن هذه الممارسة، رغم مشروعيتها، يجب أن تحترم ترتيبا إجرائيا وبروتوكوليا. فيتسلم رئيس الحكومة المعين مهامه ومكتبه أولا بصفته منسق العمل الحكومي وقائد الفريق الوزاري، ثم تنطلق عمليات التسليم القطاعية. وقد جرى تسليم السلط بين عدد من الوزراء قبل أن تتسلم رئيسة الحكومة مهامها، وهو ما يمس برمزية رئاسة الحكومة ويستحق التنبيه، وإن لم يترتب عنه بطلان.

إيداع مشروع قانون المالية: حتمية الزمن المالي

يتجلى التكامل المؤسساتي بوضوح عند التقاء الزمن السياسي لتشكيل الحكومة بالزمن المالي المُلزِم. فالحكومة، رغم أنها لم تنل التنصيب بعد، ملزمة بإيداع مشروع قانون المالية بمكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر على أبعد تقدير (تطبيقا للمادة 48 من القانون التنظيمي للمالية رقم 130.13). وهذا الأجل الدستوري والتنظيمي الملزم هو ما يميز هذه الحالة عن سائر مشاريع القوانين التي تظل مؤجلة إلى ما بعد التنصيب. وعليه، يعد عقد المجلس الوزاري لعرض التوجهات العامة للمشروع، ثم إيداعه، إجراءين مشروعين تفرضهما حماية الأمن المالي للمملكة ومنع شلل مرافقها، على أن تظل المناقشة التفصيلية والتصويت رهينين بنيل الحكومة التنصيب البرلماني.

خلاصة

الحكومة في مرحلة ما قبل التنصيب حكومة قائمة قانونا، لكن صلاحياتها مقيدة. فالتعيين الملكي يمنحها الوجود المؤسساتي والقدرة على ضمان استمرارية المرفق العام، بينما يمنحها التنصيب البرلماني التفويض السياسي والتشريعي الكامل. وفي هذا التكامل يتجلى نضج الوثيقة الدستورية، التي جمعت بين واقعية الدولة واستمرارها إداريا وماليا، وبين الخيار الديمقراطي وسيادة الأمة.

وإذا كانت الضرورات الإدارية والآجال المالية تبرر خطوات تقنية كتسليم السلط وإيداع مشروع قانون المالية، فإن ذلك لا يعفي من احترام الترتيب الإجرائي بين المؤسسات. فكل قراءة تفصل بين مسار الاستمرارية ومسار الشرعية، أو تلغي أحدهما لحساب الآخر، ستقع حتما إما في تعطيل مرافق الدولة أو في تغييب الإرادة الشعبية.

وأخيرا، فإن مرور أكثر من خمس عشرة سنة على اعتماد الوثيقة الدستورية يجعل مراجعتها ضرورة ملحّة، شريطة أن تتركز على الاختلالات الجوهرية التي كشفتها التجربة والممارسة، لا على المسائل الشكلية الثانوية، ومنها ما يمكن تجاوزه بتدقيق النصوص التنظيمية وترسيخ الأعراف الدستورية.