لم يكن المنخرطات والمنخرطون في الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي «كنوبس» ينتظرون من المدير العام بالنيابة، لحسن الغدير، معجزة إدارية، بل كانوا يأملون أن تحمل بداية عهده نفسا جديدا إلى مرفق يرتبط مباشرة بصحتهم واستقرار أسرهم. وقد استقبل كثيرون تعيينه في نونبر 2024 بانتظارات معلقة على تحسين التدبير وتجاوز الاختلالات التي أثقلت تجربة المنخرطين. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين وصل هذا الرهان، وماذا تغير فعليا في رحلة الملف المرضي من الإيداع إلى التعويض؟
إن ما يتردد من شكاوى المنخرطين، وفي مقدمتهم نساء ورجال التعليم، لا يتعلق بتفاصيل إدارية هامشية، بل بمصاريف علاج أُديت من جيوبهم، وأدوية اشتريت، وفحوصات أنجزت، وعلاجات لم يكن ممكنا تأجيلها إلى حين تحسن الظروف المالية. هؤلاء لا يطلبون امتيازا خارج القانون، وإنما ينتظرون أن يستعيدوا جزءا من أموالهم داخل آجال معقولة، وأن يجدوا في مؤسستهم ما يطمئنهم إلى أن حقوقهم لا تضيع بين المكاتب والمساطر والأنظمة المعلوماتية.
انتظار مفتوح... وتطبيق غير محين المراحل
تحدد المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي لكنوبس أجل التعويض في ستين يوما من تاريخ إيداع الملف لدى الجهة المعنية، وفق الشروط والمساطر المطبقة على كل نوع من الخدمات. غير أن الشكاوى المتعلقة بتجاوز هذه الآجال ليست وليدة اليوم. ففي يوليوز 2024، أثارت نائبة برلمانية مسألة تأخر التعويضات، ونقلت تغطية صحفية عن وزيرة الاقتصاد والمالية آنذاك أن 24 في المائة من الملفات كانت تتجاوز الأجل القانوني المحدد في ستين يوما.
كما سبق أن تناولت الصحافة المغربية، خلال أكتوبر 2024، شكاوى عن ملفات ظلت أكثر من أربعة عشر أسبوعا في وضعية «قيد المعالجة»، فيما تحدثت تقارير سابقة عن تأخيرات امتدت إلى عدة أشهر.
هذه الوقائع لا تثبت وحدها حجم التأخر الحالي، لكنها تؤكد أن المشكلة أقدم من الإدارة الحالية، وأن استمرار الشكاوى، حيثما ثبت، يستوجب كشفا واضحا عن أسبابها والإجراءات المتخذة لمعالجتها. أما المنخرط الذي تجاوز ملفه الآجال المعلنة، فلا تكفيه الإحالة على ضغط العمل أو تعقيد المساطر، بل يحتاج إلى جواب محدد عن سبب التأخير، وتاريخ متوقع لتسوية مستحقاته، وطريقة عملية للاعتراض إن كان هناك خلل.
فليس من المعقول أن يطالب النظام المؤمن بتقديم الوثائق داخل آجال محددة، ثم يظل المؤمن نفسه عاجزا عن معرفة متى سيسترد أمواله. احترام الآجال لا ينبغي أن يكون التزاما من طرف واحد.
التطبيق الرقمي.. حين لا تكفي عبارة « مسجل» للأبد
من بين مظاهر التذمر التي يثيرها المنخرطون عدم انعكاس التطورات الفعلية للملفات على التطبيق الرقمي، بحسب الشكاوى المتداولة. فقد يظل الملف معروضا بالحالة نفسها، من دون بيان واضح لما إذا كان قد وصل إلى مرحلة المراقبة، أو استوفى الوثائق، أو تمت المصادقة على التعويض، أو أحيل إلى الأداء.
وهنا ينبغي التمييز بين رقمنة المسطرة ورقمنة الخدمة فعلا. فوجود تطبيق لا يعني أن المنخرط أصبح مطلعا على حقوقه، إذا كان التطبيق لا يقدم معلومات محينة ودقيقة، ولا يفسر أسباب توقف الملف، ولا يتيح معرفة ما ينقصه من وثائق، ولا يقدم أجوبة عن الشكايات.
إن التطبيق الجيد ليس واجهة تقنية لتجميل صورة الإدارة، بل أداة للشفافية والمساءلة. ومن حق المنخرط أن يعرف أين يوجد ملفه، وما الذي تم بشأنه، ولماذا تأخر، ومتى ينتظر تسويته. كما أن من حقه الحصول على إشعار عند تغير وضعيته، وعلى تفسير مفهوم إذا رُفض التعويض أو خُفّض مبلغه.
وإذا كان التطبيق يقدم بالفعل معلومات غير محينة في بعض الحالات، فإن المطلوب من الإدارة هو التحقق من هذه الشكاوى ونشر نتائج المعالجة، لا ترك المواطن يتنقل بين الشاشة والهاتف ومقرات الخدمات بحثا عن معلومة يفترض أن تكون متاحة بضغطة زر.
تعويضات لا تبلغ ربع المصاريف في بعض الملفات
لكن التأخير ليس وحده ما يؤرق المنخرطين. فهناك مشكلة أعمق تتعلق بالفجوة بين الكلفة الحقيقية للعلاج والمبلغ الذي يسترده المؤمن.
قد يدفع المنخرط مبلغا كبيرا مقابل استشارة أو فحص متخصص أو علاج للأسنان أو اقتناء تجهيز طبي، ثم يفاجأ بأن التعويض لا يمثل، في بعض الحالات التي يشتكي منها، حتى ربع ما أداه فعليا. وعندما تتكرر هذه النفقات داخل الأسرة، أو ترتبط بمرض مزمن، تتحول التغطية الصحية من عنصر حماية مالية إلى مساهمة محدودة في مصاريف تستنزف الدخل.
ويكمن جانب أساسي من المشكلة في أن نسب التعويض لا تُحتسب دائما على أساس المبلغ الذي أداه المريض، وإنما على أساس التعريفة الوطنية المرجعية المعتمدة لكل خدمة. ويشير الموقع الرسمي لكنوبس إلى أن عددا من العلاجات والفحوصات الخارجية يُعوض عنها بنسبة 80 في المائة من التعريفة المرجعية، مع إمكانية تدخل التغطية التكميلية للتعاضدية وفق الشروط المطبقة.
وهنا تظهر المفارقة: قد تبدو نسبة التعويض مرتفعة على الورق، بينما تكون قيمته الفعلية ضعيفة جدا مقارنة بالفاتورة التي يحملها المريض.
فإذا كانت التعريفة المرجعية لا تواكب الأسعار الفعلية للخدمات الطبية، فإن تطبيق نسبة 80 في المائة منها لا يضمن بالضرورة حماية المؤمن من العبء المالي. ولذلك فإن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على النسبة المعلنة، بل يجب أن يمتد إلى أساس احتسابها، ومدى ملاءمته للسوق الطبية الحالية، وحجم المبلغ الذي يتحمله المريض من ماله الخاص.
تعريفة قديمة أمام خدمات صحية... تساوي أضعاف أضعاف التعويض
ليست الدعوة إلى مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية مطلبا طارئا أو معزولا. فقد تناول الإعلام العمومي، في أكتوبر 2024، استمرار العمل بتعريفة مرجعية مطبقة منذ سنة 2006، رغم ارتفاع أسعار الاستشارات والخدمات الطبية، وما يترتب على ذلك من اتساع الفارق بين المبلغ المرجعي ومصاريف العلاج الفعلية.
ومن هنا، فإن مطالبة الجهات المسؤولة بمراجعة التعريفة ليست مطالبة برفع التعويضات اعتباطيا، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين التغطية الصحية والكلفة الحقيقية للعلاج. فالتعريفة التي لا تواكب التطور الطبي وارتفاع تكاليف الفحوصات والتجهيزات والخدمات قد تُبقي المؤمن داخل منظومة تأمين اسمي، لكنه يظل مضطرا إلى تمويل القسم الأكبر من علاجه من دخله الخاص.
ويزداد الأمر حساسية بالنسبة إلى نساء ورجال التعليم، الذين أفنوا سنوات من العمل في خدمة المدرسة العمومية، ثم يجد بعضهم نفسه، بعد التقاعد أو مع التقدم في السن، أمام مصاريف طبية متكررة لا تتناسب مع معاشه أو قدرته على الإنفاق.
وقد سبق أن أثيرت، في حالة تعويضات علاجات الأسنان، اعتراضات على تحديد سقف للتعويض في خمسة آلاف درهم، وفق ما أوردته الصحافة المغربية سنة 2023، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود التغطية ومدى ملاءمتها لحاجات المنخرطين.
إن المطلوب اليوم هو مراجعة شاملة، مبنية على معطيات واضحة، تشمل الاستشارات والفحوصات والتحاليل والعلاجات السنية والأدوية والتجهيزات الطبية، مع نشر جداول التعريفة المعتمدة وتواريخ تحيينها، وبيان المبالغ التي يتحملها المؤمن في الحالات النموذجية.
إلى المدير العام بالنيابة: ما الذي تغير منذ توليكم المسؤولية؟
لحسن الغدير، إن تولي مسؤولية مؤسسة بهذا الحجم يقتضي أكثر من إطلاق وعود بالتحديث أو إعادة ترتيب المصالح. فالمعيار الحقيقي لنجاح التدبير هو ما يلمسه المنخرط في حياته اليومية: هل تقلصت مدة الانتظار؟ هل أصبحت الملفات تسوى داخل الآجال؟ هل صار التطبيق يعكس الوضعية الحقيقية للملف؟ وهل تحسن مستوى التعويض بما يخفف العبء عن الأسر؟
ما مصير التواصل، ومحنة الفحص المضاد؟ ومحنة تقويم الملفات الناقصة؟
لقد استقبل تعيينكم في نونبر 2024 في سياق انتظارات مرتبطة بتدقيق التدبير وإعادة تنظيم العمل داخل الصندوق. ومن حق المنخرطين اليوم أن يطلبوا تقييما عمليا لما تحقق منذ ذلك الحين، لا أن يظلوا أسرى المقارنة بين بداية حملت الأمل وواقع يشتكي بعضهم من استمرار التأخر وضعف المعلومة.
وإذا كانت هناك صعوبات تنظيمية أو تقنية أو مالية تفسر جزءا من الاختلالات، فإن الشفافية تقتضي توضيحها، والإعلان عن خطة زمنية لمعالجتها، وتقديم مؤشرات دورية حول عدد الملفات المتراكمة، ومتوسط مدة التسوية، ونسبة الملفات التي تتجاوز الأجل القانوني، وأسباب الرفض أو التأخير.
كما أن الإدارة مطالبة بإحداث قناة فعالة لتلقي شكايات المنخرطين وتتبعها، وضمان الرد عليها داخل أجل معلوم، مع تمكينهم من الطعن في القرارات التي يرونها غير مبررة. فالإدارة العمومية لا تُقاس فقط بعدد الملفات التي تعالجها، بل أيضا بقدرتها على تفسير قراراتها واحترام حقوق المرتفقين.
مسؤولية مشتركة لا تعفي أحدا
إن معالجة هذه الاختلالات لا تقع على عاتق المدير العام وحده، لأن مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية وتغيير بعض قواعد التغطية يتطلبان تدخل الجهات الحكومية والتنظيمية المعنية، إلى جانب الصندوق والتعاضديات والمهنيين. لكن تعدد المتدخلين لا ينبغي أن يتحول إلى متاهة يُترك فيها المنخرط وحيدا، ولا أن يصبح ذريعة لتبادل المسؤوليات بينما يواصل المريض دفع الفاتورة.
ومن هنا، فإن المطلوب تحرك متكامل يشمل تسريع معالجة الملفات، وتحسين الأنظمة المعلوماتية، ومراجعة التعريفة المرجعية، وتوضيح دور التغطية التكميلية، وتوسيع آليات التكفل المباشر بالعلاجات كلما أمكن ذلك، حتى لا يضطر المؤمن إلى تمويل العلاج كاملا ثم انتظار استرداد جزء منه.
وتظل هناك ضرورة ملحة لنشر معطيات رسمية محينة حول حجم المتأخرات الحالية، لأن الأرقام القديمة تكشف جذور المشكلة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على الوضع الراهن أو تقييم أداء الإدارة الحالية.
إن نساء ورجال التعليم لا يطلبون من كنوبس إحسانا، بل يطالبون بحقوق ترتبط بالأمن الصحي والكرامة. لا يريدون تطبيقا يكرر عبارة «قيد المعالجة»، ولا تعريفة تحسب العلاج على أسعار لم تعد تعكس واقعه، ولا تعويضا يصل متأخرا بعد أن تكون الأسرة قد استنزفت مدخراتها.
يريدون صندوقا يسمع شكواهم، وإدارة تجيب عن أسئلتهم، وتعريفة تحميهم من الفوارق المرهقة بين كلفة العلاج والتغطية، ونظاما رقميا يجعل المعلومة حقا متاحا لا امتيازا يحتاج إلى وساطة.
والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الإدارة والجهات الوصية واضح: متى يصبح التعويض الصحي حماية فعلية للمنخرط، لا مجرد نسبة محسوبة على ورق، ومتى يتحول احترام الآجال من التزام معلن إلى واقع يلمسه المريض في حياته اليومية؟
فالصحة ليست ملفا إداريا ينتظر دوره إلى ما لا نهاية، والمريض ليس رقما في قاعدة بيانات، وكرامة المؤمن تبدأ من حقه في العلاج، وتمتد إلى حقه في تعويض عادل، ومعلومة واضحة، وخدمة تحترم وقته وماله.






