يقول عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر: «إن التراجيديا الكبرى للتنظيمات الثورية والتقدمية لا تبدأ حين تنهزم في معاركها مع السلطة، بل تبدأ حين تنسلخ عن روحها الجماعية وتتحول قلاعها النضالية إلى مكاتب بيروقراطية باردة، يهيمن فيها تدبير المصالح والولاءات الضيقة على إبداع المعنى وخدمة تطلعات الجماهير.»
ففي مسارات التاريخ السياسي المغربي المعاصر، قل أن نجد تنظيما حظي بما حظي به حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من حمولة رمزية ثقيلة، ومن مكانة استثنائية جعلته لعقود طويلة مرادفا لضمير الأمة، وصوتا حيا لمن لا صوت له، ذلك أن قصة هذا الحزب ليست مجرد سردية حزبية عادية ترصد صعودا انتخابيا أو تراجعا تنظيميا عابرا، بل هي ملحمة أنطولوجية متكاملة الأركان، تعكس في عمقها دراما التحولات الكبرى التي عاشها اليسار المغربي بين مطرقة الحلم التحرري وسندان الإكراهات البنيوية والسياسية للواقع.
لقد انطلق هذا التنظيم من رحم المخاض التاريخي للحركة الوطنية، محفوفا بهالات التضحية والدم والدفاع المستميت عن قضايا الجماهير الفقيرة والمهمشة، ليتحول بسرعة قياسية إلى مدرسة فكرية وأخلاقية تفرخ الوعي النقدي وتؤطر العقول الحرة في مختلف ربوع الوطن، غير أن تتبع مساره الممتد من صدارة المعارضة التاريخية والشرعية النضالية المطلقة، مرورا بمحطات التناوب التوافقي وتدبير الشأن العام، وصولا إلى الأزمات التنظيمية العميقة وفقدان الثقة الجماهيرية في مراحله اللاحقة والراهنة، يضعنا أمام سؤال سوسيولوجي وفلسفي حارق يلامس جذور الممارسة السياسية بأكملها، ومؤداه هو كيف تحولت القلاع الرمزية العظمى إلى هياكل باهتة تعاني من الاغتراب عن شارعها؟ وكيف انفصمت العروة الوثقى بين التاريخ العريق والممارسة الآنية؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات المعقدة لا تستقيم إلا بسبر أغوار البنيات الخفية للعمل الحزبي، وتفكيك آليات السلطة والمؤسسات بعيون الفكر الاجتماعي والسياسي الرصين. ذلك أننا أمام سيرة جيل من النضال والتضحيات الجسام، تليها فصول من التراجع البنيوي والأزمة التنظيمية والأوتوقراطية، وصولا إلى استشراف أفق الخلاص والبعث الممكن عبر ثورة ديمقراطية ومصالحة تاريخية تعيد الاعتبار للسياسة كأخلاق والتزام في خدمة كرامة الإنسان المغربي وعدالته الاجتماعية.
إن الغوص في أنطولوجيا التأسيس الأولى لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يضعنا وجهاً لوجه أمام ملحمة سياسية واجتماعية ونضالية نادرة في تاريخ المغرب الحديث والمعاصر. لم يكن هذا التنظيم وليد مخاض إداري عادي، بل كان إفرازاً طبيعياً لحاجة تاريخية ماسة أفرزتها مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث تجذرت في الوعي الجماعي للمغاربة قناعة راسخة بأن الاستقلال السياسي الناجز لا قيمة له إن لم يكن مقروناً بالتحرر الاجتماعي والديمقراطي والعدالة المجالية.
فقد تأسس الحزب في سنة 1959 كامتداد وتتويج للجناح الجذري والتقدمي داخل الحركة الوطنية التاريخية، وتحديداً من رحم الانشقاق الفكري والسياسي عن حزب الاستقلال الذي مثّل آنذاك التيار المحافظ. لقد جاء هذا المخاض ليعبر عن تطلعات طبقات اجتماعية واسعة وعريضة من العمال، الفلاحين الفقراء، المثقفين الثوريين، والشباب المتحمس لبناء مغرب الحداثة والمؤسسات.
وفي هذا الصدد يمكننا استدعاء رؤية عالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديو في تحليله لـرأس المال الرمزي والنضالي، فنجد أن اتحاد الاشتراكي لم يبنِ قوته على وجاهة أعيان أو تحالفات مخزنية تقليدية، بل استمد رصيده الأولي والصلب من تراكم هائل من رأس المال الرمزي المتمثل في صلابة الموقف، والوضوح الإيديولوجي، والالتزام المطلق بقضايا الجماهير المهمشة، فقد كان الحزب يرى في نفسه المعبر الأمين عن الضمير الجمعي للأمة المغربية التي كانت تطمح إلى التحرر من كل أشكال الاستبداد والتخلف الاقتصادي والاجتماعي.
فقد تبنى الحزب منذ بداياته الأولى مشروعا مجتمعيا راديكاليا وشاملا يقوم على أربعة أعمدة رئيسية لا محيد عنها، وهي إرساء دعائم نظام ديمقراطي حقيقي يعيد السيادة للشعب باعتباره مصدر السلطات، وتحقيق عدالة اجتماعية توزيعية تضمن للطبقات الفقيرة حقها الأصيل في الثروة والتعليم والصحة والعيش الكريم، والقطع الجذري مع كل مخلفات الاستعمار وبنيات الاستبداد التقليدية، وربط المسؤولية بالمحاسبة وجعل الإنسان المغربي غاية التنمية ووسيلتها.
فهذا الخطاب المتقدم والمتحرر جذب إليه نخبة الفكر والأدب والنضال الحقوقي والسياسي، مما جعل الحزب يتحول بسرعة قياسية من مجرد إطار حزبي ناشئ إلى مدرسة فكرية وسياسية قائمة بذاتها، تفرخ الوعي النقدي وتؤطر العقول الحرة في مختلف ربوع الوطن.
كما أن دماء الشهداء وتضحيات المناضلين، أسست لشرعية الدم والأخلاق السياسية، ذلك أن إن ما ميز الاتحاد الاشتراكي عن باقي تشكيلات المشهد السياسي والحزبي ليس فقط برامجه أو أدبياته، بل هو فاتورة الدم الباهظة التي دفعها آباؤه المؤسسون ومناضلوه الأحرار. لقد تحول الحزب عبر مساره التاريخي إلى أيقونة للتضحية والفداء في سبيل المبادئ السامية.
فالشهيد المهدي بن بركة، ذلك العبقري الفكري والمهندس الاستراتيجي الذي تجاوز صوته الحدود الوطنية ليصبح رمزا عالميا لحركات التحرر في العالم الثالث، والذي ظل اغتياله أو اختطافه جرحاً نازفاً في ذاكرة الحزب والوطن، وعلماً شامخاً على ثمن الحرية والكرامة.
والشهيد عمر بنجلون وهو المفكر النقابي والصحفي الجريء الذي قاوم بشتى الأساليب الفكرية والسياسية كل محاولات التدجين، وظلت كتاباته ومواقفه منارة تهدى بها الأجيال، والمناضل الكبير عبد الرحيم بوعبيد باعتباره ضمير الحزب وحكيمه الذي قاد سفينة الاتحاد بحنكة وأخلاق سياسية عالية، دافع بشراسة عن الثوابت الوطنية وحقوق الإنسان في أرقى تجلياتها.
إن هذه التضحيات الجسام خلقت ما يمكن سوسيولوجيا تسميته بـالشرعية الأخلاقية المطلقة، فلم يعد الاتحاد مجرد تنظيم سياسي عادي ينخرط فيه المواطن بحثا عن مصلحة شخصية، بل أصبح عقيدة نضالية وانتماء وجوديا يشرف حامله، مما جعل الجماهير تلتف حوله بعاطفة جياشة وولاء منقطع النظير، ومستعدين لتقديم الغالي والنفيس دفاعا عن بقائه واستمراريته في وجه أقسى الضربات والمحن التاريخية.
كما أن الحصن النقابي والعمق الجماهيري خلق ذلك التحالف التاريخي مع الطبقة العاملة، فلم يكن الاتحاد الاشتراكي حزب صالونات مكيفة، بل كان حزبا ينبض في قلب الشارع وفي عمق المصانع والمعامل والحقول. لقد شكل الارتباط العضوي بالحركة النقابية -بداية عبر الاتحاد المغربي للشغل قبل استقلال الجناح العمالي، ثم عبر التأسيس التاريخي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT) سنة 1978- الدرع الاجتماعي والعمق الجماهيري الصلب الذي حما الحزب من كل محاولات الإبادة السياسية.
وقد كانت النقابة هي الذراع الميداني الذي يترجم الطموحات السياسية الكبرى للحزب إلى إضرابات عامة، واحتجاجات شعبية، ومطالب عمالية واضحة المعالم. كان العامل والموظف والمعلم والفلاح البسيط يجدون في الخطاب الاتحادي والنقابي صوتا صارخا يدافع عن قدرتهم الشرائية، وحقهم في التنظيم، وشروط عملهم الإنسانية، وهذا الالتحام العضوي بين القيادة الفكرية والقاعدة العمالية هو الذي جعل الحزب يمتلك سلطة الشارع، وهي سلطة رمزية وميدانية مرعبة كانت تخيف مختلف دوائر القرار، وتجبر الخصوم على حساب ألف حساب لردود فعل الحزب وجماهيره العريضة.
فالدفاع الصارم عن القضايا الشعبية الكبرى والتموقع في ضمير الأمة، جعل الحزب على الدوام هو الناطق الرسمي باسم المنسيين والمهمشين والطبقات المتوسطة الصاعدة. وفي زمن الهزات السياسية الكبرى وأزمنة الرصاص والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، حيث وقف الاتحاد الاشتراكي بمناضليه وبرلمانييه رغم محطات الترشح المحدودة أو المقاطعات التاريخية، منبرا حرا لا يخشى لومة لائم في فضح الفساد، ومحاربة الاستبداد، والدفاع المستميت عن حرية التعبير والصافة وحقوق الإنسان.
وقد خلق هذا التلاحم العضوي بين الحزب وهموم المواطن البسيط ثقة عميقة لا تهتز، حيث كانت الجماهير تلتف حول قياداته في كل المدن الكبرى كالدار البيضاء، الرباط، فاس، مراكش، وجدة، وغيرها، وذلك ليس طمعا في ريع أو منصب، بل إيمانا صادقا بأن الاتحاد هو الحصن الأخير المدافع عن كرامة الإنسان المغربي وعن مستقبل الأجيال القادمة، فكان الحزب بذلك هو الوطن المصغر لكل من يبحث عن الحرية والعدالة والمساواة، في فترة تاريخية كانت فيها الأفق مسدودة والخيارات السياسية محدودة للغاية.
إن الانتقال التاريخي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من موقع المعارضة الجذرية والممانعة المطلقة إلى موقع تدبير الشأن العام عبر تجربة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة الزعيم الراحل عبد الرحمن اليوسفي، لم يكن مجرد محطة عادية في تاريخ الانتقال السياسي المغربي، بل كان نقطة تحول أنطولوجية كبرى دشنت بداية التصدع الداخلي وفقدان الثقة الجماهيرية.
وكما يحلل عالم الاجتماع الإيطالي أنطونيو غرامشي في مفهومه الشهير لـأزمة الهيمنة وانهيار المثقف العضوي، فإن الأحزاب الكبرى تفقد صلاحيتها التاريخية عندما تتخلى عن وظيفتها النقدية المتمثلة في إنتاج المعنى وقيادة الوعي الجمعي، وتستبدل ذلك بالانخراط في تدبير آليات السلطة القائمة دون امتلاك رافعات القرار الحقيقي، لقد وجد الحزب نفسه فجأة محاصرا بين إكراهات النسق السياسي القائم وتطلعات جماهيرية جامحة، مما أدخل التنظيم في أزمة بنيوية عميقة أدت تدريجيا إلى تآكل رأسماله الرمزي والنضالي الذي راكمه لعقود من الزمن.
إن أزمة الوعود والواقع، خلق سقف التوقعات الجماهيرية الهائل وصنع محنة التدبير الإكراهي، فحين دعي الاتحاد الاشتراكي لقيادة حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، كان الشارع المغربي يعيش على وقع أمل تاريخي جارف، معتقدا أن وصول حزب الممانعة والنضال إلى سدة الحكم سيعني فورا تفكيك بنيات الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة، وحل المعضلات الاقتصادية الكبرى للطبقات الفقيرة والمهمشة، غير أن الواقع السياسي والدستوري والاقتصادي لبلدنا آنذاك كان محكوما بإكراهات بنيوية صارمة وبصلاحيات محدودة لم تكن تتيح للحكومة إحداث التغيير الجذري الذي حلمت به القواعد.
وهذا التناقض الصارخ بين الوعود الكبرى والخطاب التاريخي الحالم من جهة، وبين محدودية الإنجاز وواقع التدبير الإداري البحت من جهة أخرى، أدى إلى إصابة القاعدة الشعبية بخيبة أمل تاريخية كبرى. ولم تعد الجماهير تفهم لماذا تحول حزب الشهداء إلى شريك في تدبير قطاعات حكومية تعاني من أزمات هيكلية، مما جعل الفجوة تتسع باطراد بين الخطاب الرسمي للحزب وواقع المواطن اليومي الذي لم يلمس التحسينات المرجوة في قدرته الشرائية أو في مستواه المعيشي، لتبدأ بذلك شرارة الانفصام الصامت بين الحزب وشارعه العريض.
فالتنازل عن الخطاب الراديكالي والذوبان في المنظومة البيروقراطية الباردة الذي رافق تجربة المشاركة الحكومية، صنع تحول تدريجي وعميق في الهوية السياسية والفكرية للحزب، حيث تخلت القيادات المتعاقبة شيئا فشيئا عن نبرتها النقدية الراديكالية وعن مشروعها التغييري الجذري، مستبدلة إياه بخطاب براغماتي إداري يمجد الواقعية السياسية والتوافقات المصلحية، وهنا يتجلى بوضوح مفهوم "الاغتراب السياسي" عند كارل ماركس، حيث وجد المناضل البسيط والطبقة العاملة أنفسهما غرباء داخل تنظيم طالما دافع عن حقوقهم بضراوة.
تحول الحزب تدريجياً من موقع "حزب الشارع والمجتمع" الذي يواجه الاستبداد ويؤطر الاحتجاجات، إلى "حزب المؤسسات" المندمج كلياً في صلب المنظومة الرسمية. هذا التغيير الجذري في الوظيفة والموقع أفق الحزب تميزه التاريخي، فلم يعد الناخب المغربي يرى فرقاً جوهرياً بين الاتحاد الاشتراكي وغيره من الأحزاب الإدارية أو التقليدية، مما أسقط عن التنظيم هالة "الاستثناء النضالي" وجعله عرضة لشكوك واسعة النطاق حول مدى وفائه لعهوده التاريخية ولتضحيات مؤسسيه الأبرار.
الصراعات الداخلية الحارقة والانشقاقات المتتالية وتآكل الديمقراطية التنظيمية
لم يقتصر الانحدار على الجانب الخارجي فحسب، بل امتد ليشمل البنية التنظيمية الداخلية التي عانت من هزات طاحنة وصراعات عبثية حول الزعامة والمواقع والمناصب. إن غياب الممارسة الديمقراطية السليمة داخل هياكل الحزب، وهيمنة منطق الإقصاء وتدجين الأصوات الحرة، أدى إلى موجات متتالية من الانشقاقات التاريخية وخروج تيارات وازنة وقيادات شابة وتاريخية غادرت البيت الاتحادي غضباً واستياءً من مسار الانحراف عن المبادئ.
هذا التآكل التنظيمي حوّل الحزب من فضاء رحب للنقاش الفكري الخلاق وتلاقح الأفكار التقدمية، إلى حلبة صراعات ضيقة تتقاذفها شبكات المصالح الشخصية والولاءات الظرفية. وعندما يفقد الحزب مناعته الداخلية وديمقراطيته الأفقية، فإنه يفقد بالضرورة قدرته على استقطاب الكفاءات الشابة والنخب الحية، مما أدى إلى شيخوخة التنظيم وانعزاله الإداري عن النبض الحي للشباب المغربي الذي أصبح ينظر إلى الأحزاب السياسية ككل، وإلى الاتحاد الاشتراكي بشكل خاص، باعتبارها هياكل متجاوزة لا تعنيه في شيء.
الابتعاد التام عن نبض الشارع وفقدان البوصلة الإيديولوجية والتحالفات البراغماتية
في محطات الاحتجاج الاجتماعي الكبرى التي عرفها المغرب في عقود الألفية الجديدة، سُجل غياب تام ومثير للريبة لحزب الاتحاد الاشتراكي كقوة سياسية كان من المفترض أن تكون في طليعة المدافعين عن حقوق المطالبين بالشغل، والعدالة المجالية، ومحاربة الغلاء والفساد. لقد اكتفت القيادات الحزبية بمواقف مناسباتية باهتة لا تعدو أن تكون بيانات ديوانية تفتقر إلى الجرأة الميدانية، مما أكد لدى الرأي العام أن الحزب قد أدار ظهره نهائياً لقضايا المستضعفين وتخلى عن وظيفته التاريخية الأساسية.
توج هذا الانفصال الكامل بتبني استراتيجيات انتخابية وتحالفات سياسية براغماتية ومكشوفة أثارت استغراب واستنكار القواعد الاتحادية الأصيلة قبل الخصوم. وحين يقبل حزب ذو مرجعية اشتراكية تاريخية بأن يكون مجرد رقم ظلي أو شريك في أغلبيات حكومية وبرلمانية دون برنامج مجتمعي واضح يعكس هويته، فإنه يكون قد وقّع على وثيقة وفاته الرمزية في وجدان المواطنين، ليسقط الحزب نهائياً من مرتبة "ضمير الأمة" إلى مرتبة تنظيم باهت يبحث عن فتات المواقع والمناصب، وهو ما يفسر الانهيار المهول لتمثيليته البرلمانية والمحلية والعزوف الشامل عن التصويت عليه في كل المحطات الانتخابية المتعاقبة.
انحدار القيادة الحالية (مرحلة إدريس لشكر): أزمة الأوتوقراطية التنظيمية والقطيعة الأنطولوجية الشاملة
إن مرحلة تولي إدريس لشكر قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتي انطلقت مع محطة مؤتمر 2012 وامتدت عبر مؤتمرات لاحقة طبعها الاحتقان والجدل، تمثل سوسيولوجياً وسياسياً المحطة الأكثر دموية ودراماتيكية في مسار انهيار التنظيم. إنها ليست مجرد مرحلة تدبيرية عابرة، بل هي التجسيد الحي لما اصطلح عليه عالم الاجتماع الألماني روبرت ميشيلز بـ "القانون الحديدي للأوليغارشية" (The Iron Law of Oligarchy). يؤكد ميشيلز في تحليله السوسيولوجي العميق أن أي تنظيم سياسي، مهما كانت شعاراته الديمقراطية والتقدمية، يميل حتمًا مع مرور الوقت إلى التصلب في شكل قمة أولغاركية مغلقة تحتكر قرار الحزب، وتهمش القواعد بشكل ممنهج، وتعتبر بقاء قيادتها في دست الحكم الحزبـي غاية مقدسة تبرر كل الوسائل، بغض النظر عن كلفة ذلك على المستويين الأخلاقي والتنظيمي. لقد حولت هذه المرحلة الحزب من هيكل نضالي جماهيري مفتوح على الرياح الشعبية، إلى "قلعة بيروقراطية" مغلقة تحكمها منطق الولاءات الشخصية والزبونية الضيقة.
1. الأزمة التنظيمية الخانقة وخنق الديمقراطية الداخلية عبر الأوتوقراطية القيادية
واجهت القيادة الحالية منذ صعودها اتهامات متكررة وصارخة من داخل البيت الاتحادي بخنق أي فضاء للنقاش الحر، وتفصيل المؤتمرات التنظيمية والمحطات الإجرائية على مقاس الإرادة الفردية للقيادة. هذا النهج أدى حصراً إلى:
موجات الاستقالات والاحتجاجات الواسعة: غادرت أسماء وازنة، وقيادات تاريخية عريقة، ووجوه شابة طموحة، البيت الاتحادي بعد أن سُدّت في وجوههم كل منافذ التعبير الديمقراطي والمشاركة الحقيقية في صنع القرار.
إفراغ المؤسسات الموازية من محتواها: تحولت المنظومة الشبيبية، النسائية، والنقابية المرتبطة بالحزب إلى واجهات صورية باهتة تفقد كلياً استقلاليتها وحيويتها النضالية، لتصبح مجرد أصداء باهتة لقرارات القيادة المركزية.
تكريس ثقافة الطاعة العمياء: أصبح المعيار الوحيد للبروز والصعود داخل هرم الحزب هو مدى الولاء الشخصي والتبعية المطلقة لرئيس الحزب، مما أدى إلى طرد الكفاءات ونفور العقول النقدية الحرة التي لا تقبل التدجين.
2. الانفصال التام عن الشارع والتحول إلى "جهاز إداري" معزول
لقد فقد الحزب في هذه المرحلة قدرته التاريخية على النزول إلى الشارع وملامسة نبض المواطنين الحقيقيين. وتحول الخطاب الرسمي للحزب من لغة النضال والدفاع عن المستضعفين إلى تصريحات ومواقف مناسباتية باهتة لا علاقة لها بهموم الشارع اليومية، وغالباً ما كانت ترتبط بمدى القرب من دوائر القرار الحكومي أو التموقع الانتخابي الظرفي.
غياب المبادرة الميدانية: لم يُسجل للحزب أي حضور قيادي أو ميداني في الاحتجاجات الاجتماعية الكبرى والاحتجاجات المرتبطة بالغلاء المعيشي والتهميش التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة.
القطيعة الأنطولوجية مع الشباب: أصبح الحزب في نظر الجيل الجديد من المغاربة كائناً غريباً لا يمت بصلة لهمومهم الرقمية، المعيشية، والثقافية، مما خلق قطيعة جيلية عميقة لا يمكن رأبها بسهولة.
3. التخبط الإيديولوجي والبراغماتية المفرطة على حساب الهوية الاشتراكية
تخلت القيادة الحالية بجرأة غريبة عما بقي من الرصيد الإيديولوجي والرمزي للحزب كممثل لليسار الديمقراطي، لصالح براغماتية مصلحية مكشوفة تهدف أساساً إلى ضمان مقاعد وزارية أو مناصب نفوذ ضيقة.
انخرط الحزب في حكومات متعاقبة دون أن تكون له أي وزنة برامجية أو سياسية تعكس مرجعيته الفكرية، فقبل بأن يكون مجرد رقم مكمل للأغلبية، مما أسقط عنه مصداقيته الأخلاقية بالكامل أمام الناخب المغربي.
هذا التخبط أفرز شعوراً عاماً بالقرف السياسي لدى قواعد الحزب التاريخية التي وجدت نفسها تصفق لخيارات سياسية تتناقض جذرياً مع ما تربت عليه من مبادئ وقيم اشتراكية تقدمية.
4. الانهيار الانتخابي والتقلص المهول في الخريطة السياسية الوطنية
انعكس هذا التآكل التنظيمي والجماهير الهائل بشكل مباشر وموجع على نتائج الحزب في مختلف المحطات الانتخابية المتعاقبة. فقد تراجعت تمثيلية الاتحاد الاشتراكي في البرلمان والجماعات الترابية بشكل مهول مقارنة بماضيه التليد الذي كان ينافس فيه على تصدر المشهد السياسي الوطني.
لم يعد الحزب قادراً على تشكيل قوة اقتراحية حقيقية، بل تحول إلى حزب جهوي أو محلي في بعض معاقله التاريخية المحدودة، يعتمد على شبكات أعيان محلية بدل الارتكاز على قاعدة شعبية واعية ومؤطرة. وبهذا التحول الجذري، أجهزت قيادة إدريس لشكر على آخر خيوط الأمل في إمكانية استعادة الحزب لدوره التاريخي، محولة إياه من "ضمير الأمة" إلى مجرد ذكرى باهتة تروى في كتب التاريخ السياسي المعاصر.
آفاق الخلاص والبعث الممكن: نحو مصالحة تاريخية بين الفكر والواقع وثورة ديمقراطية في البنية الحزبية
إن الحديث عن إنقاذ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وإعادته إلى سكته التاريخية الصحيحة لا يمكن أن يتحول إلى مجرد وصفات تقنية سطحية، أو تعديلات تنظيمية شكلية لا تغني ولا تسمن من جوع. إننا أمام أزمة هيكلية وعضوية عميقة تتطلب بالضرورة ما يمكن وصفه بـ "الثورة الكوبرنيكية" الحقيقية في بنية التفكير، والممارسة، والتنظيم. وكما يطرح المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في تحليله الفلسفي والسياسي لمفهوم "الأزمة العضوية"، فإن الخروج من حالات التردي التاريخي الكبرى يستدعي حتمًا صياغة "كتلة تاريخية جديدة" تجمع بين قوى التغيير، والنخب العضوية الحقيقية، والطبقات المتضررة من اختلالات التنمية والعدالة الاجتماعية، قادرة على إعادة إنتاج المعنى واستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والفضاء الحزبي. إن استنهاض الروح الاتحادية الأصيلة ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب شجاعة أدبية وفكرية نادرة تفكك جذور الانحدار وتؤسس لمستقبل جديد يقوم على قواعد صلبة وأخلاق سياسية عالية.
1. التأسيس لثورة ديمقراطية داخلية حقيقية وتكسير طوق الأوليغارشية
إن الخطوة الأولى والأساسية في طريق التعافي تتمثل في كسر الطوق البيروقراطي والأوليغاركي الذي جثم على صدر التنظيم لعقود طويلة.
إعادة الاعتبار للديمقراطية الأفقية: تحرير هياكل الحزب من قبضة الولاءات الشخصية والزبونية، وجعل المؤتمرات الحزبية محطات ديمقراطية حقيقية تتنافس فيها البرامج والأفكار لا الأشخاص والولاءات المسبقة.
فتح الباب أمام الكفاءات والشباب: إشراك الطاقات الشابة والوجوه المستقلة الحاملة لرؤى عصرية في مراكز القرار الحزبي، والاستفادة من الطاقات التي همشت أو أقصيت تعسفاً بسبب مواقفها النقدية.
إرساء مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الحزبية: مساءلة القيادات عن الإخفاقات الانتخابية والسياسية والتنظيمية المتتالية، وعدم تحويل المواقع القيادية إلى محميات شخصية أبدية.
2. العودة الجذرية إلى النبض الاجتماعي والالتحام بقضايا الشارع الحارقة
لا يمكن لأي تنظيم يحمل مرجعية يسارية واشتراكية أن يعيش بمعزل عن هموم الطبقات الشعبية والمهمشة. إن استعادة المصداقية الجبرية تقتضي:
الانصهار الميداني: النزول إلى الشارع ومشاركة المواطنين معاركهم اليومية العادلة المرتبطة بالغلاء، والبطالة، وضعف الخدمات العمومية في الصحة والتعليم.
التحول إلى معارضة حقيقية ومبدئية: التخلي عن منطق التموقع المؤسساتي الظرفي واللهاث خلف المقاعد الحكومية، والعودة إلى دور المعارضة القوية والواعية التي تراقب، وتقترح، وتحاسب باسم المصلحة العليا للوطن والمواطنين.
العدالة المجالية والاجتماعية كبوصلة: تبني قضايا التهميش القروي والحضري، والدفاع المستميت عن حقوق العمال، والفلاحين الصغار، والطبقات المتوسطة التي تتعرض للتآكل المستمر.
3. تجديد الخطاب الإيديولوجي وابتكار أجوبة لمشاكل القرن الحادي والعشرين
لقد تآكل الخطاب التقليدي للحزب وأصبح عاجزاً عن مخاطبة الأجيال الجديدة التي تعيش في عالم رقمي متسارع التحولات.
تحديث الفكر الاشتراكي الديمقراطي: صياغة مشروع مجتمعي متقدم يتلاءم مع تحديات الثورة الرقمية، والتحول البيئي، واقتصاد المعرفة، بعيداً عن الشعارات الشعبوية الخاوية أو الاستسلام المطلق لمنطق السوق المتوحش.
الواقعية البرامجية: تقديم بدائل اقتصادية واجتماعية واضحة وقابلة للتطبيق للحد من الفوارق الطبقية والمجالية، مما يجعل الخطاب الحزبي إجابة ملموسة عن انتظارات المواطن المغربي اليوم.
4. بناء المصالحة التاريخية الشاملة مع الذاكرة والمنشقين
إن أي محاولة للبعث السياسي ستظل ناقصة ما لم تقترن بمصالحة كبرى وجريئة مع التاريخ ومع كل المناضلين التاريخيين والفعاليات الحية التي غادرت البيت الاتحادي غضباً أو طرداً.
طي صفحة الإقصاء: مدّ جسور التواصل الصادق مع كل التيارات والوجوه الاتحادية التاريخية التي ساهمت في بناء صرح الحزب، لجمع الكلمة ورص الصفوف حول المبادئ التأسيسية الكبرى.
الاعتبار للذاكرة النضالية: ربط الأجيال الصاعدة بتضحيات الرعيل الأول (مثل بن بركة، وبوعبيد، وبنجلون) ليس باعتبارها شعارات استهلاكية، بل كمدرسة أخلاقية ونضالية تلهم الممارسة السياسية المعاصرة.
إن هذه التحولات الجذرية والمطلوبة بإلحاح هي السبيل الوحيد لكي ينبعث حزب الاتحاد الاشتراكي من رماد أزمته البيروقراطية، ليستعيد مكانته الطبيعية كقوة اقتراحية وتقدمية كبرى، ولتثبت السياسة مجدداً أنها ليست مجرد إدارة للمصالح والامتيازات، بل هي التزام أخلاق، ونضال مستميت من أجل كرامة الإنسان وعدالته وحريته.
خاتمة
في خاتمة هذا التطواف السوسيولوجي والسياسي العميق في أرشيف الذاكرة الوطنية والتنظيمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يتجلى بوضوح تام أن مأساة هذا الكيان التاريخي العريق لا تُختزل في مجرد خسارة مقاعد برلمانية هنا أو هزيمة انتخابية هناك؛ بل هي أزمة وجود وميلاد عسر لقطيعة أنطولوجية بين "تاريخ متألق بالدماء والتضحيات" و"حاضر محكوم بالبيروقراطية المفرطة والبراغماتية الجافة". وكما علّمنا الفكر السوسيولوجي الرصين، فإن التنظيمات السياسية الكبرى التي تفقد قدرتها على إنتاج المعنى وتجديد دمائها الفكرية، وتنفصل عن النبض الحي لشارعها ومجتمعها، إنما تحكم على نفسها بالدخول في دائرة الأفول والتلاشي الرمزي. إن الجماهير المغربية التي التفت يوماً بحرارة منقطع النظير حول القلاع الاتحادية، لم تكن تبحث عن مناصب أو مواقع، بل كانت تبحث عن أفق للكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية؛ وهو الأفق الذي أُفرغ تدريجياً عبر تكريس الأوتوقراطية التنظيمية، وإقصاء الكفاءات، والابتعاد المستميت عن هموم الطبقات المهمشة.
غير أن التاريخ السياسي للشعوب لا يعرف النهايات المطلقة، ومقابر الأحزاب غالباً ما تفتح أبوابها لانبعاثات جديدة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الشجاعة واليقظة النقدية العالية. إن أمل البعث لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال "ثورة كوبرنيكية" حقيقية تهدم أسوار البيروقراطية والأوليغارشية المتحكمة، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الديمقراطية الداخلية، وتبني مصالحة تاريخية صادقة وجريئة مع الذاكرة ومع كل المناضلين الأحرار الذين همشوا أو غُيبوا عن بيتهم الطبيعي. إن السياسة في جوهرها الأخلاقي السامي ليست مجرد تدبير تقنوقراطي للمصالح والامتيازات الظرفية، بل هي التزام وجودي مستميت بقضايا الإنسان وبتطلعات الأمة نحو العدالة والحرية؛ وحين يستعيد الاتحاد الاشتراكي –أو أي تنظيم يبتغي الحياة– بوصلته الحقيقية وينصهر من جديد في نبض شوارعه ومجتمعه، فإنه لن يعيد كتابة تاريخه المجيد فحسب، بل سيثبت بأن شعلة النضال التقدمي قادرة دائماً على اختراق رماد اليأس، لتنبعث الروح الاتحادية الأصيلة من جديد كفعل مقاومة وصناعة أمل للمستقبل.






