رأي

فاطمة الزهراء الابراهيمي: حصانة الدفاع و حصانة السلوك

محامية بهيئة الدارالبيضاء

في حوار اليوم مع زميل وصديق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، 

امتد النقاش من حديث عابر إلى نقاش مهني جاد حول حصانة الدفاع، والحد الفاصل بينها وبين ما يمكن تسميته حصانة السلوك.


وكان لا بد من التوقف عند هذا الفرق، 

لأنه ليس تفصيلا في النقاش حول مستقبل المهنة، 

بل سؤالا في صميمها.


الحصانة ليست مطلبا يرفع في البلاغات والشعارات، ولا امتيازا شخصيا نلوح به كلما اقتربت المساءلة.


الحصانة تبدأ من المحامي نفسه،من سلوكه، من نظافة يده، من نزاهته، ومن احترامه لشرف المهنة وقسمها، وببساطة من خلال ممارسته المهنية، وعنوانه المهني، واسمه المهني، وسمعته المهنية.


حصانة الدفاع مطلوبة، وحصانة السلوك مرفوضة.


حصانة الدفاع تعني أن نكون أحرارا في قول ما يقتضيه القانون، وفي مناقشة القانون، وفي نقد الإجراء، وفي الدفع والطعن والتفنيد، وفي الدفاع عن موكلينا دون خوف من المؤاخذة بسبب قول أو تعبير أو موقف مهني او قانوني يندرج في صميم وظيفة الدفاع.


و لا يمكن ان يمتد مطلب الحصانة إلى التدليس أو الغبن أو الغلط أو التأكيدات الخادعة، أو أن تتحول إلى غطاء لممارسة غير أخلاقية، فهنا لم نعد نتحدث عن حصانة الدفاع.

ولا يمكن أن تصبح الحصانة حصانة للمرتشي والراشي والرائش.


ولا يمكن أن يصبح استقلال المهنة استقلالا عن الأخلاق.


ولا يمكن أن يصبح حمل البذلة المهنية سببا للإعفاء من المسؤولية.


حين تكون المرافعة قانونا، تكون الحصانة في مكانها.


وحين يكون النقد قانونيا، تكون الحصانة في مكانها.


وحين يكون الدفاع دفاعا، تكون الحصانة في مكانها.


أما حين يتحول الكلام إلى إهانة، أو سب، أو شتم، ولو بالتلميح، فلا ينبغي أن نبحث له عن غطاء في حصانة الدفاع، ولا أن نحرف معنى النص القانوني لنمنح السلوك ما لم يمنحه القانون.


الحصانة تحمي وظيفة الدفاع، ولا تحمي صاحبها من نتائج سلوكه.


وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا قبل أن نكون كذلك مع غيرنا.


لأن أخطر ما يمكن أن يصيب مهنة المحاماة ليس أن تساءل عن ممارسة غير مهنية، وإنما أن ننجح في إقناع أنفسنا بأن مجرد صفة المحامي كافية لتحويل كل ممارسة إلى عمل محصن.


استقلال المحاماة لا يعني استقلال المحامي عن الأخلاق.


وحصانة الدفاع لا تعني حصانة من المسؤولية.


وحرية الدفاع لا تعني حرية الاعتداء على كرامة الآخرين.


نحن لا نحتاج إلى حصانة تحمي أخطاءنا، 

وإنما نحتاج إلى حصانة تحمي دفاعنا.


وهذا الفرق، وإن بدا بسيطا، هو في الحقيقة الفارق بين مهنة تحميها مكانتها، ومهنة تحاول حماية منتسبيها بكل الوسائل.