سياسة واقتصاد

أغلبية المنصوري بلا الأحرار: حسابات المقاعد تفتح باب إعادة ترتيب الخريطة السياسية

إبراهيم الخياطي ( باحث في الثقافة البصرية و الوساطة الرقمية)

لم تعد معركة تشكيل الحكومة المغربية محصورة في البحث عن أغلبية برلمانية تضمن مرور القوانين، بل تحولت إلى اختبار لموازين القوة داخل المشهد الحزبي، وفرصة لإعادة ترتيب التحالفات التي حكمت البلاد خلال الولاية السابقة. فبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعداً، وجدت فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام خيار سياسي يتجاوز جمع الأرقام: هل تعيد إنتاج الأغلبية السابقة، أم تؤسس لتحالف جديد يغيّر مواقع بعض الأحزاب داخل الحكومة والمعارضة؟


الأرقام وحدها تكشف حجم الخيارات المتاحة. فالأصالة والمعاصرة والاستقلال، بمجموع 162 مقعداً، يشكلان نواة محتملة لأي أغلبية جديدة. وإذا انضمت إليهما الحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، فإن مجموع المقاعد سيصل إلى 236 مقعداً من أصل 395، أي أغلبية مريحة تتجاوز عتبة 198 مقعداً المطلوبة لضمان الأغلبية المطلقة. كما أن إضافة الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية والاجتماعية تفتح حسابات أخرى لتوسيع قاعدة التحالف، وإن كانت هذه التشكيلات لا تزال افتراضات حسابية وليست اتفاقات سياسية معلنة.


في هذا السياق، يكتسب احتمال بقاء التجمع الوطني للأحرار خارج الحكومة دلالة خاصة. فالحزب الذي قاد الأغلبية السابقة، رغم حصوله على 66 مقعداً في الانتخابات الأخيرة، قد يجد نفسه أمام وضع سياسي مختلف، إذا اختارت المنصوري بناء تحالف لا يضم شريكه السابق. ولا يتعلق الأمر بمجرد انتقال حزب من الحكومة إلى المعارضة، بل بإعادة توزيع الأدوار داخل مشهد سياسي اعتاد خلال السنوات الماضية على تحالفات تجمع الأحزاب الثلاثة الكبرى.


وقد كشفت المشاورات الأولى عن تباين في المواقف، دون أن تحسم بعد شكل الأغلبية المقبلة. فالتجمع الوطني للأحرار أعلن استعداده للمشاركة في الحكومة، بينما أظهرت مواقف داخل الأصالة والمعاصرة رفضاً لإعادة التحالف معه. وفي المقابل، برزت مؤشرات على تفضيل صيغة سياسية تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وهي صيغة تعيد إلى الواجهة بعض مكونات الكتلة الديمقراطية التاريخية. غير أن هذا المسار يظل رهين المفاوضات وشروط الأحزاب المعنية، ولا يمكن اعتباره قراراً نهائياً باستبعاد الأحرار.


وإذا تحقق سيناريو انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، فسيكون البرلمان أمام مشهد لافت: حزب كان يقود الحكومة، إلى جانب حزب العدالة والتنمية الذي يستعد بدوره للمعارضة بعد حصوله على 54 مقعداً، مقارنة بـ13 مقعداً في انتخابات 2021. ورغم اختلاف المرجعيات والتجارب السياسية بين الطرفين، فإن وجودهما في موقع المعارضة قد يخلق تقاطعاً في بعض الملفات، خصوصاً في مراقبة العمل الحكومي ومناقشة السياسات الاقتصادية والاجتماعية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة نشوء تحالف بينهما، ولا يضمن أن تكون المعارضة موحدة أو متجانسة.


أما الحديث عن «أغلبية بلا شكارة» أو عن إبعاد حزب بسبب المال، فيحتاج إلى ما هو أكثر من الاستنتاجات السياسية. فتركيبة الأغلبية لا تُقاس فقط بهوية الأحزاب أو حجم مواردها، بل بمدى قدرتها على إنتاج برنامج مشترك، وتدبير الخلافات، وتحمل المسؤولية أمام البرلمان والرأي العام. كما أن خروج حزب من الحكومة لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على تحول في طبيعة تدبير السلطة أو على قطيعة مع أساليب المرحلة السابقة.


الرهان الحقيقي أمام المنصوري ليس أن تثبت قدرتها على جمع 236 مقعداً، بل أن تحول هذا العدد إلى أغلبية سياسية منسجمة. فكلما اتسعت قاعدة التحالف، ازدادت الحاجة إلى تنسيق المواقف وتوزيع المسؤوليات، وقد تتسع معها أيضاً مساحة الخلاف حول الحقائب والبرامج والأولويات. وقد تكون الأغلبية العددية مريحة عند التصويت، لكنها لا تضمن وحدها الانسجام في اتخاذ القرار أو الوفاء بالالتزامات الانتخابية.


وفي الجهة المقابلة، ستكون المعارضة مطالبة بتجاوز منطق التنافس على قيادة الصفوف إلى ممارسة رقابة برلمانية فعلية. فوجود الأحرار والعدالة والتنمية في موقع واحد لا يعني أن خلافاتهما السابقة ستختفي، كما أن اختلافهما لا يمنع من التقاطع حول قضايا محددة. وبين الطرفين، سيبقى المواطن معنياً بما إذا كان البرلمان سيقدم نقاشاً سياسياً جدياً حول التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم، أم سيكتفي بمواجهات حزبية لا تغيّر شيئاً في حياته اليومية.


إن تشكيل الحكومة المقبلة قد يكون بالفعل لحظة لإعادة رسم الخريطة السياسية، لكن وصفها بالمقصلة أو الانقلاب يسبق ما ستكشف عنه المفاوضات. فالسياسة لا تُحسم بالحساب وحده، ولا يُقاس نجاح التحالف بعدد المقاعد التي يجمعها، بل بما يستطيع إنجازه وما يقبل أن يُحاسب عليه.


ففي النهاية، ليست المسألة من سيجلس إلى جانب من في قاعة البرلمان، بل من سيملك القدرة على تحويل الأغلبية إلى مسؤولية، والمعارضة إلى رقابة، والوعود الانتخابية إلى نتائج ملموسة.