في زمن تلاشت فيه الحدود بين المعرفة والرعونة، أضحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لاستباحة العقول وتسطيح الوعي. وتحت وطأة "تسونامي" الربح السريع ولعنة المتابعات، نعيش اليوم على وقع فوضى عارمة يقودها "علماء" الزمن الرقمي؛ جهَلة يمتطون صهوة شاشات الهواتف النقالة ليتصدروا المشهد، ويوجهوا ضربات موجعة لكنوز التراث الشعبي المغربي بمختلف تلاوينه المادية واللامادية.
إنها ليست مجرد فيديوهات عابرة أو "محتويات سريعة"، بل هي عملية تشويه ممنهجة تمارس على مرأى ومسمع من الجميع بفضل جرأة "السنطيحة" والوقاحة الفكرية. يُقدّم هؤلاء أدعياء المعرفة دروسا في الموروث الثقافي الشعبي مصحوبة بتعاليق مغلوطة ودبلجة رديئة، تحول الفن والإرث التاريخي إلى بضاعة بخسة تُباع في أسواق "الترند".
ولعل أكثر مشاهد هذه المهزلة إيلاما هو ما يطال فنون الفروسية التقليدية وتقاليد تراث "التبوريدة". هذا الفن النبيل الذي طالما ارتبط بطقوس "الجْمَاعَةْ" و "لَمَّةْ لَحْبَابْ" حول صينية الشاي وهيبة "علاّم" السْرُوتْ، أضحى اليوم مادة للتسفيه والمتاجرة. لقيمات سريعة من الفيديوهات أصبحت تجزم بلا حياء في تاريخ الفروسية التقليدية، وألبستها، وأسلحتها، ومدارسها، مرسخة مغالطات تضرب عمق الانتماء وذاكرة الأرض.
والأمر لا يقف عند حد تراث سنابك الخيل والبارود، بل يمتد ليمس تزييف أغانينا الشعبية وتسفيه إيقاعات آلة "الْغَيْطَةْ" و "الطّْبَلْ"، ونغمات "لَوْتَارْ" و "الْكَمَنْجَةْ"....و حتى رقصات "عْبِيدَاتْ الرْمَا" الحربية التي تحاكي هواية القنص والصيادة وموسم الحصادة وحركات الفرسان... كل هذا التنوع البيئي والثقافي يُسحق اليوم تحت عجلة السطحية الرقمية.
أمام هذا الانحدار، يُطرح السؤال الحارق: أين القنوات الرسمية والإعلام العمومي من هذه المعركة الثقافية؟
الواقع أن الإعلام المرئي المغربي يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية في هجرة الجيل الجديد صوب "المستنقع الرقمي". فرغم أن الأسرة المغربية تقتطع من قوتها ملايين الدراهم عبر فاتورة الكهرباء لدعم شاشاتها الوطنية طلبا وتوسلا للإمتاع والمؤانسة وتهذيب الذوق، إلا أنها تُصدم يوميا ببرامج مستنسخة، جامدة ومحنطة تشبه الجثث الهامشية داخل أستوديوهات بائسة. تلفزيوننا فرّط بغرابة في ملايين المشاهدين، وتركهم فريسة لأمواج الحيرة والتيه الرقمي.
صحيح أن الذاكرة التلفزيونية لا تخلو من تجارب احترافية شريفة أسست في وقت ما لإعلام ميداني حي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تُقبر هذه المبادرات؟ ولماذا تتوقف التجربة كلما لاح أمل التغيير؟
إن صيانة الذاكرة الوطنية والتصدّي للتلوث الرقمي لا يحتاجان إلى المزيد من التباكي، بل يتطلبان يقظة ثقافية وصرامة قانونية حازمة تُنهي فوضى الكاميرات العشوائية.
إننا بحاجة ماسة إلى "هبّة وطنية" تُعيد إنتاج الفرجـة المغربية الأصيلة، برامج ثقافية وازنة تسافر بالجمهور خارج أسوار الإسمنت والقاعات المكيفة، لترتحل الكاميرا إلى قلب الطبيعة، بين أحضان الغابات والسهول والهضاب، وفي مواسم المواسم الفلاحية، وليالي الحصاد القمرية، والأسواق الأسبوعية، وواحات الجنوب، والقصور والقصبات، والرياضات، وجبال الشمال، والوديان، وسواحل المغرب الممتدة.
المغرب لا تنقصه الكفاءات البشرية المتمكنة، ولا تُعوزه الإمكانيات المادية للنهوض بهذا القطاع الحساس. ما ينقصنا بحق هو القرار الجريء للقطع مع سياسة المحسوبية "أباك صاحبي" و "أمك في دار العرس"، وفتح المجال أمام منافسة شريفة تُعطي الفرصة للمنتجين المبدعين القادرين على استنطاق مكنونات المشترك الثقافي بعشق وذكاء.
إن حماية التراث الشعبي ليست رفاهية فكرية، بل هي قضية أمن ثقافي حقيقي لترسيم حدود الانتماء لهذه الأرض الطيبة قبل أن تُباد معالمها في زمن "اللايكات".






