فهي تلزمنا مغربيا وجوبا أن نصدر عن واقعية التطورات وحَرْفِيَّة النصوص وخلفية السياقات وحقائق المواقف، لا عن تهافت المزايدات (حرب المعلومات عند خصومنا) أو تشكيك التخوفات (المشروعة وطنيا)..
منهجيا لا يمكن الحكم سوى على المادة المتوفرة كوثائق..
بالتالي هناك عمليا وثيقتان مركزيتان حتى الآن:
- تقرير الأمين العام الأممي السيد غوتيريس الجديد، غير المنشور رسميا، المقدم كوثيقة للإستئناس باسم الأمانة العامة للأمم المتحدة أمام أعضاء مجلس الأمن، وهو التقرير المبثور من فقرتين منه (أعتمد هنا الترجمة التقريبية غير الرسمية التي أنجزها الصديق عزيز إدامين بصفته خبيرا مغربيا له مصداقية مجربة).
- مشروع مبادرة الحكم الذاتي المقدم من قبل المملكة المغربية يوم الأربعاء 11 أبريل 2007 (نعتمد هنا النسخة الصادرة عن وزارة الإتصال المغربية سنة 2015 ضمن سلسلة "دفاتر الصحراء"). وهي الوثيقة العمومية الوحيدة المتوفرة كون الوثيقة الثانية الموسعة التي قدمتها الحكومة المغربية إلى الأطراف الأربعة المشاركة في المفاوضات الجديدة ما بعد القرار التاريخي المرجعي والإنعطافي الصادر عن مجلس الأمن رقم 2797 نهاية أكتوبر 2025 (وثيقة سميت "مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي") غير متوفرة للعموم بسبب اعتبارها وثيقة سرية سلمت فقط للأطراف المعنية (الجزائر، موريتانيا، جبهة البوليزاريو) والمبعوث الأممي ديمستورا ووزارة الخارجية الأمريكية.
إن كل قراءة هادئة للتطورات تلزمنا الإعتماد على هاتين الوثيقتين فقط دون غيرهما.
ما الذي يقوله تقرير الأمين العام، الذي لا يمكن إغفال أنه مؤسساتيا ليس دائما متوافقا مع منهجية استفراد مجلس الأمن لوحده بالملف ومحاولة إخراجه من دهاليز الأمانة العامة الأممية ومن اللجنة الرابعة، لما في ذلك من تقويض للدور الإداري سياسيا للأمانة العامة الأممية رغم الكلفة العالية لإدامة المشكل وعدم إنهائه. بالتالي ما الذي جاء به من جديد تقرير السيد غوتيريس؟.
خارج البناء اللغوي التقني التذكيري بتوابث مسار الملف والمرجعيات التأطيرية قانونيا (قرارات مجلس الأمن ذات الصلة)، وخارج الجرد التقريري التقني للتطورات المسجلة ميدانيا من الجهة المغربية ومن الجهة الجزائرية (ضمنها الحالة الأمنية غرب وشرق الجدار المغربي الحمائي)، ومنجزات بعثة المينورسو وميزانيتها. فإن الجديد هو التفاصيل المعلنة لجزء من مضمون المفاوضات المباشرة التي تمت من خلال اللقاءات الثلاثة التي جمعت "الأطراف" حتى الآن (وليس هناك قط تنصيص في التقرير على كلمة "الطرفين") بحضور وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا وممثل عن البوليزاريو (ليس هناك أي وصف ديبلوماسي له). التفاصيل التي عناوينها الهامة الجديدة كما جاءت في باب "التطورات الرئيسية" من التقرير (باب رقم 3) هي:
- "كما أعد المغرب «مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي»، يتضمن تفصيلاً لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه عام 2007. وتمت مشاركة هذه الوثيقة مع المبعوث الشخصي والولايات المتحدة، بصفتهما الرئيسين المشاركين، وكذلك مع المشاركين في المفاوضات، وهم جبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، في يناير 2026. ولم يتم تعميمها علناً، إذ إنها مخصصة صراحةً لتكون أساساً للمفاوضات وليس اتفاقاً نهائياً". (الفقرة 3 من التقرير)
(يسجل هنا أن التقرير يقر بعدم تعميم الوثيقة المغربية علنا بل ووصفها بالحرف أنها "مخصصة صراحة لتكون أساسا للمفاوضات".. بما يفيد أنه ليس هناك على الطاولة أية وثيقة أخرى كأساس للتفاوض وأنها الوحيدة. للتذكير هي نفس لغة الممثل الدائم لواشنطن في مجلس الأمن مايك والتز حين لقائه الأخير مع عناصر من جبهة البوليزاريو).
- "مثّل المغرب والجزائر وموريتانيا طوال المفاوضات وزراء خارجيتها، في حين مثلت جبهة البوليساريو شخصية مسؤولة عن سياستها الخارجية. وشهدت المفاوضات مناقشات معمقة بهدف التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول بشكل متبادل للنزاع، مع اعتماد مقترح المغرب للحكم الذاتي أساساً للمحادثات، وفقاً للقرار 2797 (2025) ". (الفقرة 6 من التقرير)
(تأكيد للمرة الثانية على اعتماد مقترح المغرب أساسا للمحادثات امتثالا للقرار الأممي 2797، أي اعتمادا للمرجعية القانونية الأممية).
- "عُقدت الجولة الثانية في مدريد، إسبانيا، يومي 8 و9 فبراير 2026. بحث المشاركون إنشاء مجلس انتقالي لا يقتصر دوره على إدارة مختلف العمليات الانتقالية، بل يوفر أيضاً إطاراً للتفاوض بشأن تفاصيل حل عادل ودائم ومقبول بشكل متبادل. وجرت مناقشة دور الجهات الدولية وضمانات التنفيذ، وتقاسم الموارد؛ والعفو والمصالحة؛ ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج؛ والتدابير الأمنية؛ والنظم الانتخابية. وشددت موريتانيا على ضرورة تشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه بطريقة توافقية". (الفقرة 8 من التقرير)
(تعتبر هذه الفقرة أهم فقرات التقرير الأممي الإخباري للسيد غوتيريس، كونها تقدم تفاصيل عن جزء مركزي ومحوري من طبيعة المفاوضات بين الأطراف. فيها إعلان عن بحث المشاركين في فكرة إنشاء "مجلس انتقالي" يوفر إطارا للتفاوض بشأن حل عادل ودائم ومقبول بشكل متبادل.. هنا اللغة دقيقة أكثر في تقرير الأمانة العامة الأممية.. مع الكشف عن مطلب موريتاني ملح جديد لتوضيح الحدود الدولية ل "الإقليم المتنازع عليه".. مهم التسطير على عبارة "الإقليم" فهو ليس من جنس التسمية التقنية الموروثة عن الإستعمار الإسباني "الصحراء الغربية").
- "بناءً على طلب المشاركين، عمل فريقا الأمم المتحدة والولايات المتحدة على إعداد مشروع أولي لاتفاق إطاري بشأن مرحلة انتقالية محتملة. عُقدت الجولة الثالثة في واشنطن يومي 23 و24 فبراير، وأتاحت مناقشة معمقة بشأن المجلس الانتقالي، وفتحت نقاشاً حول مسألتي تقرير المصير والسيادة على الإقليم المتنازع عليه، وهما لا تزالان من أكثر العناصر إثارة للخلاف". (الفقرتين 9 و10 من التقرير)
(هنا إخبار بالشروع في إعداد واشنطن والأمانة العامة للأمم المتحدة مشروعا أوليا لاتفاق إطار. أي أن المسار التفاوضي يتقدم رغم حدة الخلاف حول تأويل مسألتي "تقرير المصير" و "السيادة على الإقليم المتنازع عليه". هنا مهم تسجيل ملاحظتين أساسيتين هي أن المفاوض المغربي صارم في مسألة "السيادة" وفي إعطاء معنى قانوني لمبدأ "تقرير المصير"، مثلما أنه مهم التسطير على عبارة "الإقليم المتنازع عليه" فهي بمرجعية القانون الدولي لا علاقة لها إطلاقات بعبارة "الإقليم المحتل". أي أن الأمانة العامة الأممية لا تصنف أبدا الوضعية القانونية للتواجد المغربي في صحرائه الغربية بأنها "وضعية احتلال".. هذا مركزي وهام جدا.).
- "استجابةً للقرار 2797، قامت عدة دول بتوضيح أو تغيير مواقفها: أعربت السويد وسويسرا عن دعمهما لخطة المغرب للحكم الذاتي، وقامت مالي وهندوراس بتعليق اعترافهما بـ «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، وعلقت بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية معها في فبراير 2026. وأعادت مدغشقر وكندا واليابان التأكيد على دعمها لخطة المغرب، وحدّث الاتحاد الأوروبي موقفه الجماعي في يناير 2026 ليشير إلى أن المفاوضات ينبغي أن تتخذ مقترح المغرب أساساً لها". (الفقرة 15 من التقرير)
(أهمية هذه الفقرة كامنة ليس فقط في أنها جرد إحصائي إخباري لتطور مواقف دول مناصرة للمقترح المغربي للحكم الذاتي ولمغربية الصحراء، بل أنها مدرجة أساسا ضمن خانة الباب الثالث من التقرير الذي حدد له عنوان "التطورات الرئيسية"، فتقرير الأمانة العامة للأمم المتحدة صنف هذه المواقف الدولية الجديدة على أنها تطورات رئيسية).
- التقرير الأممي يدعو إلى تمديد مهمة المينورسو سنة كاملة دون أية إشارة إلى احتمالية تغيير مهمتها الأصلية بما يتوافق ومنهجية المفاوضات الجديدة تحت سقف القرار الأممي 2797. وهذا أمر قد لا يأخذ به مجلس الأمن، لأن علامات التوجه لصاحب القلم في الملف واشنطن هي "تغيير دور ومهام المينورسو وترشيد ميزانيتها" ووضع رزنامة محددة زمنيا لتسريع الحل الذي لا يمكن قبول إطالته مجددا (منطوق مواقف ممثل واشنطن في مجلس الأمن مايك والتز الأهم إداريا ومؤسساتيا ضمن دائرة صنع القرار بالبيت الأبيض من المستشار الخاص للرئيس الأمريكي لإفريقيا والعالم العربي وصهره مسعود بولس).
لننتقل الآن إلى ما تقوله الوثيقة الثانية الأهم في الملف التي هي "مشروع مبادرة الحكم الذاتي المقدم من قبل المملكة المغربية يوم الأربعاء 11 أبريل 2007"، من حيث هي المرجعية الرسمية الوحيدة العمومية المتوفرة حتى الآن (بسبب سرية الوثيقة المغربية الثانية المقدمة ضمن آلية التفاوض مع الأطراف تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة الأمانة العامة الأممية).. هنا سنقف عند فقرتين أساسيتين منها تتقاطع مع جزء من الجديد ضمن تقرير الأمين العام الأممي، هي التالية:
- "تحتفظ الدولة (المغربية) باختصاصاتها في ميادين السيادة، لاسيما الدفاع والعلاقات الخارجية والإختصاصات الدستورية والدينية لجلالة الملك أمير المؤمنين" (الفقرة رقم 6)
(نحن هنا بإزاء فقرة مطروزة ليس فقط في علامات السيادة قانونيا بل في التنصيص تحت عبارة "لاسيما" على محورية الإختصاصات الدستورية لجلالة الملك (رئيس الدولة) والدينية (أمير المؤمنين).. فعلامات السيادة مؤسساتية).
- "يخضع نظام الحكم الذاتي، المنبثق عن المفاوضات، لاستشارة استفتائية للسكان المعنيين، طبقا لمبدأ تقرير المصير ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة" (الفقرة رقم 8)
"يكون نظام الحكم الذاتي للجهة موضوع تفاوض، ويطرح على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر، ضمن استشارة ديمقراطية. ويعد هذا الإستفتاء، طبقا للشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، بمثابة ممارسة حرة من لدن هؤلاء السكان لحقهم في تقرير المصير" (الفقرة رقم 27)
(هنا المقترح المغربي ضمن بابه الثالث "مسار الموافقة على نظام الحكم الذاتي وتفعيله"، متصالح مع شروط القانون الدولي من حيث سمو الإستشارة للسكان المعنيين، مهم التسطير على كلمة "المعنيين"، كشكل تنفيذي لمبدأ تقرير المصير، الذي فيه إعلاء لرأي من يعنيهم الحكم الذاتي وإلزامهم به قانونيا. هذا إقرار بسمو الخيار الديمقراطي من الجانب المغربي. السؤال هو لماذا تتهرب منه الجزائر والبوليزاريو؟. الجواب هو أن السلطة الجزائرية تخشاه كنموذج سام للتطوير الديمقراطي السيادي تنظيميا داخل الدول، يستطيعه المغرب ولا تستطيعه هي).
- "بعد موافقة الأطراف على مشروع نظام الحكم الذاتي، يساهم مجلس انتقالي مكون من ممثلي الأطراف، في تدبير عودة سكان المخيمات إلى الوطن ونزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج العناصر المسلحة التي توجد خارج تراب الجهة، وكذا في أي مسعى يهدف إلى إقرار هذا النظام وتطبيقه بما في ذلك العمليات الانتخابية" (الفقرة رقم 32)
(هنا آلية محورية ضمن تطبيق مشروع الحكم الذاتي بمنطق "الإشراك" وليس بمنطق "تحكم الإقصاء" لتفعيل الآلية الديمقراطية السلسة لإدماج كل ساكنة الإقليم المعنيين ضمن المشروع التدبيري التطويري لخيار "الجهوية الموسعة" بدفتر تحملات مؤسساتية واجبة ديمقراطيا بشكل إيجابي منصف مجاليا ضمن حدود الدولة المغربية الموحدة ذات السيادة. هذا نموذج ديمقراطي تخشاه دول جوارنا المغاربي لتقدميته الواضحة).
خلاصة تركيبية:
إن تبني هيئة الأمم المتحدة آلية التفاوض المنطلقة تحت سقف القرار الأممي 2797، وما أعلنه تقرير الأمين العام الأممي السيد غوتيريس من مسارات التفاوض ومرجعية المناقشات التي في القلب منها مسألتي "مجلس انتقالي" و "الإستفتاء الخاص بالسكان المعنيين" لقبول ما تم التوافق عليه من شكل ل "الحكم الذاتي" بالضمانات المسنودة للقانون الدولي كشكل من أشكال ممارسة "تقرير المصير"، التي هي مقترحات آلية مضمنة أصلا ضمن "المقترح المغربي للحكم الذاتي" المقدم منذ 2007، إنما يقدم الدليل الواضح والملموس والقطعي على أن المنتظم الدولي تبنى فعليا "المرجعية المغربية" في شموليتها وبنيتها ومضامينها..
بالتالي هذا انتصار غير مسبوق للإستراتيجية التحريرية الوطنية المغربية ضمن النضال لإنهاء مسألة "النزاع حول أقاليمه الصحراوية الغربية الجنوبية" من حيث هو مصنف أمميا كملف ل "إقليم متنازع عليه" وليس مصنفا أبدا ضمن خانة "منطقة احتلال"، عبر البوابة الديمقراطية ل "الحكم الذاتي" كآلية فضلى لتنظيم المجال ضمن السيادة الوطنية والوحدة الترابية المفعلة لمبدأ تقرير المصير..
مع التسطير على أن تقرير الأمين العام هو "تقني" في مكان ما، وأنه ليس ملزما لمجلس الأمن الذي يمتلك الصلاحية العليا لإنضاج قرارات حسب ما يفرضه ميزان القوى عالميا وإلحاحية تسريع إيجاد الحلول للأزمات دوليا.. هو تقرير يناقَشُ ويَحضُرُ في خلفية قرارات الدول الأعضاء بمجلس الأمن لكنه ليس وحده الذي يحسم في تدافع إنضاج القرارات الحصرية لمجلس الأمن. والحرص مغربيا يجب أن ينصب على "القوى صاحبة الحسم في صياغة القرار" (محورية دور مجموعة الدول دائمة العضوية ومن ضمنها دور "صاحبة القلم" في تحرير منطوق القرار الولايات المتحدة الأمريكية).
نعم إن المعركة دقيقة جدا الآن وتتطلب يقظة عالية جدا، لأنه في "التفاصيل يكمن الشيطان" مما يفرض حسن استثمار ميزان القوة المتاح لنا ضمن مجالنا الغرب إفريقي والغرب متوسطي، حتى وإن كانت العلامات دلاليا لمنهجية إنضاج الحل بأفق سياسي سلمي تفاوضي أمميا اليوم إنما يتوافق في أجزاء مركزية منه مع "الإستراتيجية الوطنية التحريرية المغربية"..
إن السماد الأكبر فعليا لحماية حقوقنا القومية العليا المشروعة هو في تعزيز صلابتنا الداخلية مؤسساتيا وتنمويا وعدالة مجالية ومشروعا مجتمعيا للإنصاف وتعزيز الكرامة للمغاربة وحماية الهوية الحضارية والوطنية لنا كأمة ودولة بغاية تعزيز الثقة بين المواطن ودولته ومؤسساتها.. ذلك حائطنا الأعلى والأصلب..






