في مثل هذا السياق، قد يبدو للوهلة الأولى أن خروج حزب كبير من الأغلبية يضعف الحكومة، لكن تأثير المعارضة لا يقاس فقط بحجمها العددي، بل كذلك بدرجة انسجامها الداخلي وقدرتها على التنسيق وصياغة بديل سياسي موحد. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يحقق وجود الأحرار في المعارضة عددا من المكاسب المباشرة للحكومة.
فأول ما يمكن ملاحظته أن حزب الأحرار يعد من الأحزاب التي راكمت تجربة طويلة في تدبير الشأن العام والمشاركة في الحكومات والمؤسسات المنتخبة، وهو ما يجعل معارضته أقرب إلى المعارضة المؤسساتية منها إلى المعارضة الاحتجاجية. فالأحزاب التي مارست السلطة لفترات طويلة تكون أكثر إدراكًا لتعقيدات التدبير العمومي وللإكراهات المالية والإدارية التي تواجه الحكومات، ولذلك تميل عادة إلى توجيه النقد نحو السياسات العمومية وآليات التنفيذ بدل التركيز على الخطابات التصعيدية أو الشعبوية. ووجود معارضة من هذا النوع يمكن أن يخفف من حدة الاستقطاب السياسي ويجعل النقاش العمومي أكثر ارتباطًا بالحلول والبدائل العملية.
كما أن انتقال الأحرار إلى المعارضة قد يؤدي إلى إعادة توزيع موازين القوة داخلها. ففي حال أصبح الحزب القوة الأولى عددياً، فإنه سيكتسب مكانة مؤثرة داخل المؤسسات البرلمانية، سواء من خلال رئاسة بعض اللجان أو من خلال الحضور الإعلامي والسياسي الوازن. غير أن هذه المكانة قد تؤدي في الوقت نفسه إلى نشوء تنافس مع بقية مكونات المعارضة حول من يمتلك شرعية قيادتها وتمثيل خطابها السياسي. وعندما تتنافس أحزاب المعارضة فيما بينها على الزعامة والتموقع، تصبح قدرتها على التنسيق ضد الحكومة أقل فاعلية، وهو ما يتيح للأغلبية هامشاً أوسع للحركة.
ويزداد هذا العامل أهمية بالنظر إلى الاختلافات الإيديولوجية والتنظيمية القائمة بين الأحرار والعدالة والتنمية وتحالف اليسار. فهذه الأطراف لا تنطلق من المرجعيات الفكرية نفسها، ولا تتبنى التصورات ذاتها بشأن الاقتصاد ودور الدولة والقضايا المجتمعية. ولذلك فإن جمعها داخل جبهة معارضة موحدة قد يواجه صعوبات مستمرة تتعلق بتحديد الأولويات وصياغة خطاب سياسي مشترك. و غالباً ما تكون المعارضة المنقسمة أقل قدرة على تحويل وزنها العددي إلى قوة سياسية مؤثرة مقارنة بمعارضة أصغر حجماً لكنها أكثر انسجاماً.
ومن النتائج المحتملة كذلك أن وجود الأحرار في المعارضة قد يقلص قدرة أي طرف آخر على احتكار صفة "المعارض الرئيسي". فبدلاً من أن ينفرد العدالة والتنمية أو تحالف اليسار بقيادة الخطاب المعارض واستقطاب الاهتمام الإعلامي، سيصبح المشهد أكثر تعددية وتنافسية. وهذا التوزيع في مراكز الخطاب السياسي قد يحد من قدرة المعارضة على تعبئة الرأي العام حول رسائل موحدة ومركزة ضد الحكومة.
ومن الجوانب المهمة أيضاً أن الأحزاب الكبرى التي تراهن على العودة إلى السلطة مستقبلاً غالباً ما تسعى إلى الموازنة بين ممارسة الرقابة على الحكومة والحفاظ على استقرار المؤسسات. فالحزب الذي يرى نفسه مشروع حكومة مستقبلية يدرك أن أي إضعاف مفرط للمؤسسات أو أي تأزيم سياسي شديد قد يرتد عليه عندما يصبح في موقع المسؤولية. لذلك تميل هذه الأحزاب إلى تبني معارضة قوية ولكنها تظل محكومة بمنطق المحافظة على قواعد اللعبة السياسية واستمرارها.
وفي هذا الإطار، قد تساهم مشاركة الأحرار في المعارضة في توجيه العمل الرقابي نحو الآليات البرلمانية التقليدية المتمثلة في الأسئلة البرلمانية ومراقبة السياسات العمومية وتقييم الأداء الحكومي، بدلاً من التركيز المستمر على أدوات المواجهة السياسية ذات الطابع الاستثنائي. ومع ذلك، يجب التأكيد على أن تفعيل الآليات الرقابية الدستورية، مثل لجان تقصي الحقائق أو ملتمسات الرقابة، يخضع لشروط قانونية وعددية دقيقة، ولا يمكن لأي حزب بمفرده أن يتحكم فيها بشكل مطلق ما لم تكن موازين القوى البرلمانية تسمح بذلك.
ومن المكاسب المحتملة للحكومة كذلك استمرار وجود قنوات للحوار والتفاوض مع أكبر مكونات المعارضة. فالأحزاب الكبرى، حتى عندما تكون خارج الأغلبية، تحافظ عادة على علاقات مؤسساتية وسياسية مع الحكومة حول القضايا الوطنية الكبرى. ويمكن أن يسهم ذلك في بناء توافقات بشأن ملفات استراتيجية تتجاوز منطق الموالاة والمعارضة التقليدي، خاصة في القضايا الاقتصادية أو الإصلاحات الهيكلية التي تحتاج إلى دعم سياسي واسع.
و قد يؤدي وجود معارضة كبيرة ومنظمة إلى استيعاب جزء من المطالب والاحتجاجات الاجتماعية داخل المؤسسات المنتخبة. فالمعارضة البرلمانية لا تقتصر وظيفتها على مراقبة الحكومة، بل تقوم أيضاً بدور الوسيط بين المجتمع والدولة من خلال نقل المطالب الاجتماعية والتعبير عنها داخل البرلمان. وعندما تنجح المعارضة في أداء هذا الدور، فإنها قد تسهم في تخفيف حدة التوترات وتحويل جزء من النقاش والاحتجاج من الشارع إلى المؤسسات السياسية.
كذلك فإن وجود معارضة قوية عدداً وتنظيماً يمنح الحكومة نفسها قدراً أكبر من الشرعية الديمقراطية. فالنظم السياسية الحديثة لا تستمد مشروعيتها من وجود أغلبية حاكمة فقط، وإنما أيضاً من وجود معارضة قادرة على النقد والمراقبة وتقديم البدائل. ولذلك فإن حكومة تواجه معارضة وازنة داخل المؤسسات تبدو أكثر انسجاماً مع مبادئ التعددية السياسية من حكومة لا تواجه سوى معارضة هامشية أو مشتتة بالكامل.
وأخيراً، قد تستفيد الحكومة من إمكانية بناء أغلبيات موضوعاتية متغيرة حول بعض القوانين والمشاريع. فوجود حزب كبير في المعارضة لا يعني بالضرورة معارضته لجميع المبادرات الحكومية. إذ قد يدعم بعض السياسات أو النصوص التشريعية التي تنسجم مع مرجعيته الاقتصادية أو الإدارية، وهو ما يتيح للحكومة هامشاً أوسع لتشكيل توافقات برلمانية تتجاوز حدود أغلبيتها الرسمية.
وخلاصة القول إن الفائدة الرئيسية التي قد تجنيها حكومة المنصوري من وجود الأحرار في المعارضة لا تتمثل في إضعاف المعارضة، بل في إعادة تشكيلها على نحو يجعلها معارضة مؤسساتية قوية من حيث الحضور البرلماني والقدرة الرقابية، لكنها أقل تجانساً سياسياً وإيديولوجياً. وفي مثل هذه الحالات، تستفيد الحكومة من واقع تكون فيه المعارضة قادرة على ممارسة الرقابة والمساءلة، لكنها تواجه في الوقت نفسه صعوبة أكبر في توحيد صفوفها وصياغة استراتيجية مشتركة يمكن أن تتحول إلى بديل سياسي متكامل ومنافس للحكومة.






