سياسة واقتصاد

فاطمة الزهراء المنصوري... من حصيلة التعمير إلى امتحان رئاسة الحكومة

حنان فرطاس

أن تصبح امرأة رئيسة للحكومة في المغرب، فذلك حدث سياسي لا يمكن تجاهله، لكن التعيين شيء، وتقييم الحصيلة والمسؤولية الحكومية شيء آخر. وفاطمة الزهراء المنصوري تصل إلى هذا الموقع وهي تحمل معها سنوات من تدبير التعمير والسكن، بما تحقق فيها من أوراش وأرقام، وبما بقي فيها من ملفات لم تجد طريقها بعد إلى الحل.


في التعمير، لا تكفي كثرة المشاريع ولا عدد الوثائق المصادق عليها لتقديم حصيلة مكتملة. فتأخر وثائق التعمير وتحيينها ينعكس مباشرة على شكل المدن، وعلى التوسع العمراني، وعلى التجهيز والنقل والخدمات، والمدينة التي يسبق فيها البناء التخطيطَ تدفع الثمن لسنوات. وحتى المنظومة القانونية نفسها احتاجت إلى المراجعة، بعدما أظهر تقييم تطبيق القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وجود إكراهات وصعوبات عملية ونقائص وثغرات.


وفي السكن، لا تختزل المسؤولية في عدد المستفيدين من الدعم أو عدد المدن المعلنة بدون صفيح. فالسكن ليس أربعة جدران فقط؛ موقعه، وقربه من المدرسة والصحة والنقل والعمل، وقدرة الأسرة على الاستقرار داخله، كلها جزء من السياسة العمومية. لذلك فإن إخراج الأسرة من الصفيح لا يعني بالضرورة أن أزمة السكن انتهت إذا انتقلت الهشاشة معها إلى مجال عمراني جديد.


وفي الحوز، أعلنت الوزارة إلى حدود 10 نونبر 2025 إعادة بناء 53,648 مسكناً وإصدار 58,945 رخصة بناء. لكن المنصوري نفسها أقرت بوجود تقصير في تدبير هذا الورش. وهنا تصبح الأرقام بداية المحاسبة لا نهايتها؛ لأن وراء كل ملف أسرة انتظرت، ووراء كل تأخير مسار إداري، ووراء كل مسار مسؤولية في التنسيق والتنفيذ ومواكبة المتضررين.


أما المباني الآيلة للسقوط، فلا تنتهي المسؤولية عند الجرد والخبرة التقنية. فكل تشخيص يفرض قراراً، وكل قرار يفرض تنفيذاً، والتنفيذ قد يعني التدعيم أو الإفراغ أو الهدم أو إعادة الإسكان. وبين التقرير التقني والقرار الإداري توجد أسر لا تستطيع أن تعيش سنوات في انتظار معالجة الخطر.


ويبقى ملف الهدم باسم المنفعة العامة، كما يطرح في حي المحيط، سؤالاً أكبر من قرار الهدم نفسه: أين تنتهي المنفعة العامة، وأين تبدأ إعادة تثمين العقار؟ فالهدم قرار، لكن مآل الأرض ومن يستفيد منها هو جوهر المساءلة.


وفي الجانب المؤسساتي، طُرح مشروع إحداث 12 وكالة جهوية للتعمير والإسكان لإعادة تنظيم المنظومة وتعزيز التخطيط الترابي ومواكبة الاستثمار. لكن تغيير الهيكلة لا يصبح إصلاحاً بمجرد تغيير أسماء المؤسسات. قيمة الإصلاح تظهر عندما تتغير طريقة تدبير الملفات، وتتسارع القرارات، وتتقلص مناطق تضارب الاختصاصات، ويصبح المواطن أمام إدارة تحل مشكلته بدل أن تضيف إليه مساطر جديدة.


بهذا المعنى، تتحول الحصيلة من رصيد يُعرض إلى مسؤولية تُسأل عنها صاحبتها. هناك أوراش أُنجزت وأرقام تحققت، وهذا جزء من الصورة؛ لكن هناك أيضاً قوانين احتاجت إلى مراجعة، ومؤسسات احتاجت إلى إعادة تنظيم، وملفات تأخرت، واختلالات بقيت قائمة. وهذه ليست تفاصيل هامشية يمكن دفنها تحت عناوين الإنجاز.


                       ثم جاءت 29 شتنبر 2026.


عيّن صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور.


ومن هنا ينتقل الامتحان من الوزارة إلى الحكومة. فالتجربة السابقة لا تُمحى بتغيير الموقع، والحصيلة لا تُترك خلف باب الوزارة عند الانتقال إلى رئاسة الحكومة. ما تحقق يصبح رصيداً، وما تعثر يصبح مسؤولية، وما بقي مفتوحاً يصبح ملفاً ينتظر القرار.


والآن، لم تعد أمام قطاع واحد تتعدد داخله المتدخلات، بل أمام حكومة كاملة تملك أدوات التنسيق والقرار وتحديد الأولويات. وما كان يمكن أن يُقرأ باعتباره تعقيداً قطاعياً يصبح، في موقع رئاسة الحكومة، جزءاً من مسؤولية التدبير الحكومي نفسه.


ولهذا لا ينبغي أن يتحول شعار «امرأة على رأس الحكومة» إلى جدار عازل أمام النقد والمساءلة. المطلوب ليس التصفيق للمرأة لأنها امرأة، ولا مهاجمتها لأنها امرأة؛ المطلوب أن تُعامل كرئيسة حكومة، أي كمسؤولة سياسية عن اختيارات حكومية ستطال ملايين المغاربة، وأن تُقاس بالنتائج لا بالرمزية، وبالقرارات لا بالصورة، وبقدرتها على معالجة الاختلالات لا بإعادة تسويقها.


ومن الآن، لن يكون السؤال كيف وصلت امرأة إلى رئاسة الحكومة، بل ماذا ستفعل بهذه السلطة؟ وهل ستتعامل مع الاختلالات التي كشفتها تجربتها الوزارية باعتبارها ملفات تستحق التصحيح، أم ستنتقل الملفات نفسها معها من مكتب إلى مكتب، ومن وزارة إلى رئاسة الحكومة؟


                               ومن هنا يبدأ الامتحان.