يبدو أن التراجع الكبير لحزب الاتحاد الاشتراكي في الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، وحجم التساؤلات الموضوعية والمشروعة، التي يتوجب إثارتها وبسط النقاش حولها، بالنظر إلى موقع الحزب واصطفافه في المعارضة... قد بدأ يفجر المسكوت عنه ويكشف أن عددا من الأصوات والمطالب داخله، باتت تضيق ذرعا بقيادتها المُصِرَّة على الهروب من تحمل مسؤولية هذا الكساد الانتخابي المشهود...
مع العلم أن الحد الأدنى من المسؤولية السياسية والنزاهة الأخلاقية يقتضي تقديم الاستقالة، وعدم الاختباء مرة أخرى وراء منطق تبرير ما لا يُبَرَّر، والحديث عن عنصر المفاجأة أو التحول الحاصل في المشهد الحزبي أو السلوك الانتخابي... لأن هذا سبب آخر كافٍ يؤكد غياب الرؤية الاستراتيجية، والفشل الذريع في قراءة ملامح المرحلة، والتدبير الكارثي للاستحقاق الانتخابي، والاِحتماء بالحسابات الخاسرة... فضلا عن تحويل الحزب إلى أصل تجاري وملحقة عائلية مُحَاطَة بالأتباع والخُدَّام... وغير ذلك، من عوامل أدت إلى هذا السقوط المدوي والتراجع الكبير الذي يفرض ترتيب المسؤوليات، قبل أن تؤول الأمور إلى ما هو أسوأ...
لكن الظاهر، أن قيادة الارتطام بالحائط وهندسة الخسارات، مَاضِيَةٌ ـ كما هي عادتها ـ في اختلاق المبررات الواهية المثيرة للاستهجان والسخرية، والبحث عن شَمَّاعات هُلاَمِية لتعليق الفشل وتعويم النقاش للتهرب من تقديم الحساب... ولِمَا لاَ تتحدث عن المسؤولية الجماعية!!!؟ وتسير في اتجاه تحميل خَيَالِ الظِّل، والأجهزة الحزبية الموقوفة التنفيذ، والقواعد المغلوبة على أمرها... وِزْرَ هذا الإخفاق المبين الذي له أسباب ومقدمات موضوعية، ناتجة حتما عن توجهات، واختيارات، وخط سياسي تقع مسؤوليته على عاتق القيادة المُعْتَقِلَة للقرار الحزبي المُتَمَرْكِزِ في يدها وحدها... وأي خطاب يحاول تبرئتها من الهزيمة الانتخابية النكراء، هو تواطؤٌ مفضوحٌ وبؤسٌ وتغليطٌ وتضليلٌ... والتضليل أشد أنواع القمع كما في مأثور الشهيد عمر بنجلون...
ومن المؤكد، الذي لا يُدَاخِلُه شَكٌّ أو لَبْسٌ أن قيادة الٍولاَيَة إلى مَا لاَ نِهَايَة، مستعدة للتمرغ أكثر في الوحل، فذلك جزء من تنشئتها، ومن الصعب عليها إن لم يكن مستحيلا، أن تتحلى بشجاعة الموقف وتملك جرأة تقديم الاستقالة، لأنها وبكل ثقلها المُفْلِس، تتوهم نفسها فوق سُنَن التاريخ، وفوق مجريات الواقع، وفوق نواميس العقل، ولا ترى مطلقا أن تأبيد "الزعامات" مَدْعَاةٌ للضجر السياسي... وهذا ما يدفعها إلى امتطاء صهوة التعنت والتمادي في المهازل والإسفاف السياسي، وتحويل الفشل إلى إنجاز تاريخي لا مثيل له، وعمل غير مسبوق فريد من نوعه، والتَّحَجُّجِ بأن فقدان المقاعد كان بفارق ضئيل، والنتائج حملت وقع "المُفَاجَأَة" و"التحولات" و"الإكراهات" و"الارتدادات" وما هو "آت"... في قائمة التبريرات المشفوعة بالتصفيقات...!!!؟ وخطابات التطبيل، وتجييش الأتباع والشِّيَاع والمُؤَلَّفَةِ أَطْمَاعُهُمْ للتنكيل بالآراء المُنْتَقِدَة ومهاجمتها، في مقابل تمجيد القيادة العظيمة، المُلْهَمَة، المُظَفَّرَة بالهزائم والخرائب والويلات، الظاهر منها والخفي (وما خفي كان أعظم وأخطر بكل تأكيد)... إلى غير ذلك من خوارق ومعجزات ورقصات فلكية!!!؟... تتقنها القيادة الدائمة (الدوام لله وحده)، الضرورية، الأسطورية، التي لابد منها، كي تكتمل دورة الحياة وينتظم تعاقب الفصول، وينجو كوكب الأرض من الاحتباس الحراري، ولاَيَخْتَل التوازن البيئي، فيؤثر في انسجام عناصر الطبيعة والماء والهواء والتربة...!!!؟
وهو الواقع المؤلم الذي يتضح معه أن دعوات مناضلات ومناضلي الاتحاد الاشتراكي إلى تحمل المسؤولية، تُوَاجَه بأسوإِ نموذج "قيادي" و"تنظيمي" عرفه الحزب طيلة مساره التاريخي... نموذج قيادة الإلغاء والإقصاء والمصادرة ونفي الاختلاف، الهاربة من مجابهة الحقيقة والأمر الواقع، ستقول وهي مدفوعة بكامل اعتدادها المَرَضي وأسلوبها البدائي في الحديث: "الرُّبَّان" لا يلقي بنفسه إلى البحر، بينما ركاب السفينة يقاومون الغرق بوسائلهم الخاصة... الأَسْلَم لنا جميعا هو إغراق الركاب، كي ينجو "الرُّبَّان" ويكسب المُرَاد والرِّهَان، ثم ينفذ بجلده كأي جَبَان مُتَسَلْسِل يُلَوِّحُ له الغرقى ويُحَيُّونَه ويهتفون باسمه، رافعين آيات الشكر والولاء، لأنه أهلكهم ونجا بنفسه من أجلهم، وحتى يُجَنِّبَهُم سوء العاقبة!!!؟ في سلوك سادي واستجابة مازوشية، سنحتاج معها إلى خبرات الطب النفسي وحصصه العلاجية، لتفكيك عقدها المزمنة وتشريح متلازمتها المستعصية...
القيادة المسؤولة لا تتهرب، ولا تلوي عنق الحقيقة، ولا تواجه السرطان بالإنكار، لأن ما حدث كان منتظرا ومتوقعا وغَيْرَ مفاجئ بالمَرَّة، إلاَّ إذا كانت قيادة الإخفاق ضحيةً مرة أخرى للتآمر على نفسها... والأحرى أن يتم الحديث تبعا لذلك، عن الحَوَلِ لا التحول... الحَوَل السياسي الذي لن يحجبه الذباب المتراكم، ولا مستنقعات المِيَاه الآسنة التي غَمَرَتْ حديثَ أَحَدِهِم مِمَّنْ تَوَسَّلَ بمعجمها، وهو لا يدري ـ لجهله الفظيع ـ أن اللغة فاشية تفضح مُسْتَعْمِلَهَا، وتعري ضَحَالَتَهُ واِسْتِنْقَاعَه وتَأَسُّنَهُ مع فصيلته المُتَقَافِزَة من العَلاَجِيم والفُقَارِيَات، وحتى الزواحف التي تسير على بطنها، لأنها لم تتعلم الوقوف يوما... لكن، يتعين عليها ألا تتفاجأ من إعصار الحقيقة القادم لتجفيف المستنقعات، من أمثاله الذين قذف بهم الزمن العشوائي والتهافت والفراغ وغياب المعنى... وهذا الإعصار المزلزل سيحمل عنوان الإقالة لا الاستقالة، لأن هناك شيئا يسميه التاريخ: حتمية التغيير العاجلة أم الآجلة... ورياح التغيير آتية لاقتلاع ما ينمو على جنبات المستنقعات... إِذِ المعلوم أن النتائج الانتخابية عاقبت قيادة الخلود الحزبي لاَ الاتحاد الاشتراكي؛ عَاقَبَتْهَا نَتِيجَةً لمواقفها المتخاذلة وخوضها حروبا بالوكالة، من أَظْهَرِهَا ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الحكاية السخيفة لمُلتمس الرَّقابة الذي تحول إلى دُعَابَة ثقيلة الظل أَسْعَدَتْ لوبياتِ القهر الاجتماعي، وخصومَ الاتحاد الاشتراكي التقليديين الذين استثمروا مَا انتهى إليه ملتمس الرقابة لصالحهم، لأنهم لم يتصوروا أو يحلموا يوما بالهدية الثمينة... دون أن ننسى غياب موقف واضح تَرْجَمَهُ الاِمتناع عن التصويت في المؤسسة التشريعية، ارتباطا بقانوني تسقيف أسعار المحروقات، وكذا إعادة تشغيل لاسامير... أما فضيحة اللوائح الجهوية للنساء، والتزكيات واللجان الصورية ومعايير المَزَاد العلني... فقد صارت وصمةَ عار وعنوانا على الانحطاط، وإقصاء حرائر الحزب وكفاءاته النسائية من حقهن الدستوري في التمكين السياسي والمؤسساتي... زِدْ على ذلك، اختيار المرشحين للانتخابات بِنَاءً على الثروة والمال... وسَيْلاً آخر من الممارسات لا تعدو أن تكون مجرد غَيْضٍ من فيضٍ، وقليل من كثير، يَنُوءُ بِكَلْكَلِه اللِّسَان والبَيَان... ولنا أن نتساءل والضحك يسبق الكلام: أين وجه المسؤولية الجماعية في كل هذا التجريف، والتخريف، والتحريف الذي لاَ قِبَلَ لتاريخ الحزب به؟!!!..
إن النازلة الانتخابية للسنة الجارية ومستتبعاتها، تستوجب المحاسبة بشكل لا مجال فيه للتهريج والبهلوانيات والهروب الجَبَان...
وماتزال الذاكرة تستحضر واقعة الأمس القريب، عقب الانتخابات التشريعية لسنة 2007، حيث حَلَّ الحزب خامسا (38 مقعدا)... آنَئِذ كان الأستاذ محمد اليازغي ـ شَافَاه الله ـ هو الكاتب الأول، وَوَقْتها تمت مطالبته بتقديم الاستقالة، وكان من أبرز الداعين إلى ذلك زعيم الوِلاَيَة إلى مَا لاَ نِهَايَة، الذي عبأ أعضاء المكتب السياسي آنذاك للإقالة الجماعية للكاتب الأول محمد اليازغي، ضدا على القوانين والضوابط التنظيمية... وعندما انعقدت الأجهزة التقريرية للبت في الأمر، أعلن الأستاذ اليازغي بكل شجاعة ومسؤولية عن استقالته، مؤكدا أنه لن يتسبب للحزب في أي شرخ تنظيمي، على الرغم من تعالي أصوات كثيرة متشبثة ببقائه على رأس الحزب إلى حين انتهاء ولايته... في نزاهة أخلاقية وسياسية ونضالية عالية، ليست غريبة عن قائد كبير وزعامة تاريخية وشخصية كاريزمية كالأستاذ اليازعي أطال الله في عمره...
إنه مَكْرُ التاريخ ودُرُوسُه البليغة ودَوَائِرُهُ المٌلْتَفَّةُ على أعناق مَنْ يُدِيرُون ظهورهم المنكسرة لجدليته الحَادَّة...
غير أن المثير في الأمر، هو الخُنْفُشَارِيَات الذاهبة إلى "حيث السَّحَرَةُ يُنَادُون بَعْضَهُم بأسماء مستعارة"( والمعذرة للشاعر العُمَاني سيف الرحبي على توظيف عنوانه الشعري في هذا السياق)؛ خُنْفُشَارِيَات صادرة عن أصوات مبحوحة وَاهِنَة مُدافِعَة عن قيادة الخلود الحزبي، التي تراهن على عامل الوقت وتنتظر اقتناص حقائب وزارية في مشاورات تشكيل الأغلبية المرتقبة، للفرار بجلدها بعيدا عن أي محاسبة، وبعيدا عن كل ما يَقُضُّ مَضْجَعَهَا المَهْزُوزَ المُرْتَعِدَةَ فَرَائِصُهُ من صوت النقد ولغة الاختلاف، وحتى تَظْفَرَ بما كانت تُمَنِّي به النَّفْس من زمان (جُرْح الوزارة الغائر)، لذلك تَجِدُهَا نَاكِصَةً على عَقِبَيْهَا، مُدَّعِيَةً أنها تَرَى ما لا يراه الآخرون، ومُسْتَنْجِدَةً بعبارات صارت مبتذلة من فرط استعمالها؛ عبارات يُرَدِّدُها الأَدْعِيَاء المَأْفُونُون المُحِيطُونَ بها، كَفَخْر الانتماء وما إليه من لَغْوٍ ركيك فكريا وخِطابيا وأخلاقيا... وكأن النقد ليس انتماءً لقيم العقل أولاً؛ وللوعي النقدي وثقافة الاختلاف، وربط المسؤولية بالمحاسبة... الانتماء لم يكن يوما مرادفا للولاء، فالأحزاب وغيرها من التنظيمات فضاءٌ للممارسة الديموقراطية التي لا تلغي وجود الأفراد، ولا تبخسهم الحق في الاختلاف والتعبير والنقد... وإِلاَّ تحولوا إلى حشود وقُطْعَانٍ تُسَاقُ إلى المَسْلَخ دون وعي أو إدراك... الحزب بنية تنظيمية محكومة بعلاقات التكافؤ لاَ الولاء، بمعنى أنها بنيةٌ حاملة لمدلول ديموقراطي مدني مبني على تعاقدات وقيم ومُشْتَرَك، ومجالات التداول فيها أوسع بكثير مِمَّا نظن، أو مما راكمته الممارسة أو التجربة التي تحتاج دائما إلى المراجعة النقدية والمساءلة والمحاسبة وتحيين الوسائل والآليات... حتى لا ينتهي الحزب إلى مَعْبَدٍ يُسَبِّحُ باسم الكاهن الأول... ويتحول بالتالي الانتماء إلى ارتباط أرثوذكسي، يعوق التفكير، ويسلب الإرادة، ويُشَيِّعُ العقل، ويشل الحواس، ويؤدي في النهاية إلى الجمود القاتل والعدم المحتوم...






