ينبغي أن تحتل صحة المرأة مكانة محورية في أي رؤية جديدة لحكامة المنظومة الصحية، إذ لا يمكن حصرها فقط في الحمل والولادة أو صحة الأم، بل تشمل المرأة في مختلف مراحل حياتها، من الطفولة إلى الشيخوخة، مع ما يرافق كل مرحلة من احتياجات ومخاطر ومواطن هشاشة تتغير بمرور الوقت.
ويجب أن تشكل الحكامة الجديدة فرصة لتعزيز الانتقال من طب يعتمد أساساً على العلاج إلى طب أكثر تركيزاً على الوقاية، يقوم على الاستباق والكشف المبكر وتقريب الخدمات الصحية. ويتعلق الأمر بعدم انتظار ظهور المرض أو مضاعفاته، بل تحديد عوامل الخطر والتدخل في الوقت المناسب.
ويشمل هذا التوجه، على وجه الخصوص، الكشف المبكر عن سرطان الثدي وسرطان عنق الرحم، والوقاية من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والشرايين، فضلاً عن صحة الكلى التي قد تظل أمراضها صامتة لسنوات طويلة.
كما يمكن أن تساهم مراقبة ضغط الدم، وتحليل البول، وتقييم وظائف الكلى، في الكشف المبكر عن بعض الحالات المعرضة للخطر، خاصة لدى النساء المصابات بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم أو أمراض المناعة الذاتية، أو اللواتي يعانين من مضاعفات مرتبطة بالحمل.
وينبغي للحكامة الجديدة أن تستجيب أيضاً لمطلب أساسي يتمثل في ضمان ولوج منصف لكل امرأة إلى خدمات صحية ذات جودة، وقريبة ومستمرة، مع إيلاء اهتمام خاص للنساء القاطنات بالمناطق القروية أو اللواتي يعشن في أوضاع الهشاشة.
كما يتعين أن تشمل هذه الرؤية الصحة النفسية، والصحة بعد انقطاع الطمث، ومواكبة المرأة طوال مسار حياتها.
غير أن أي سياسة للوقاية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون معرفة، فالتوعية تشكل نقطة البداية للوقاية. فالمرأة التي تعرف عوامل الخطر المرتبطة بصحتها، وتدرك أهمية الكشف المبكر، وتتوفر على معلومات طبية موثوقة، تصبح شريكاً فعلياً في الحفاظ على صحتها وصحة أسرتها.
ومن هذا المنطلق، يتعين على الحكامة الصحية الجديدة الاستثمار أيضاً في التربية الصحية والرقمنة والابتكار، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية واحترام الأخلاقيات وتعزيز الثقة.
ولا ينبغي قياس أداء المنظومة الصحية فقط بعدد المرضى الذين جرى علاجهم، بل أيضاً بعدد الأمراض التي تم تفاديها، والتشخيصات التي تم التوصل إليها في مراحل مبكرة، والمضاعفات التي أمكن الوقاية منها.
### رسالة الأستاذة بورقية
«تشكل الحكامة الجديدة فرصة لمنح الوقاية المكانة التي تستحقها. فلا ينبغي أن تكون صحة المرأة موضوعاً ظرفياً، بل أولوية مستدامة في مجال الصحة العمومية.
يتعين علينا بناء طب لا ينتظر ظهور المرض للتدخل، بل يعتمد على الاستباق والتوعية والكشف المبكر والحماية.
إن العناية بالمرأة تعني حماية الأسرة، وتعزيز المجتمع، والاستعداد للمستقبل. فالوقاية ليست نفقة، بل استثمار في الإنسان وفي الأجيال القادمة».






