من جملة العادات التي يحاول مجتمع البيظان التمسك بها بوصفها قيمة اجتماعية، ما يُصطلح عليه بـ«ترزيفت».
وهو تقليد يمكن أن يُستساغ بشكل مقبول خلال مناسبات اجتماعية كالزواج، أو بمناسبة الختان، أو حفل عقيقة ..الخ ... أشياء تندرج ضمن الحالات ذات الطبيعة الاجتماعية الصرفة، التي تحتاج فيها العائلات إلى إقامة حفل جماعي .
في حالة فوز مرشح ما بمقعد برلماني، يتحول الأمر إلى ممارسة تكاد لا تنسجم مع مفهوم الانتخابات بوصفها محطة إفراز ديمقراطي بتكليف من الشعب لحمل همومه داخل المؤسسة التشريعية، حيث يكون المطلوب من هذا المرشح الفائز الترافع عن هذه الجماهير، وكذلك المساهمة في صياغة قوانين من شأنها الإجابة عن العديد من تطلعات الناخبين ومصالحهم.
لكن الانتخابات في الصحراء، بوصفها ممارسة ديمقراطية مؤطرة بمعرفة إستباقية بجدواها، تختصر زمنيآ ما بين قوس انطلاق الحملة الانتخابية وغلق القوس عند قفل صناديق التصويت وإعلان النتائج.
في الصحراء، حيث يختلط كل شيء بكل شيء، تكاد مفاهيم العلوم السياسية لا تجد لها موطئ قدم داخل بنية تائهة في منطقة رمادية بين التمدن والبداوة، وفي ظل خليط بشري لا يزال في طور التدرج نحو الوصول إلى توليفة ثقافية سوسيو-اجتماعية متفردة شكلًا ومضمونًا.
في الصحراء، الجهة الوحيدة التي تقوم بتحليل النتائج والقراءة الفنية والسياسية والإحصائية هي أجهزة الدولة، والأكيد أن تقاريرها لا تُنشر في مواقع أو جرائد موجّهة للعامة.
النخبة هناك في سجال دائم ومستمر، يتجدد في كل مناسبة يومية توضع فيها أواني الشاي داخل هذا المنزل أو ذاك.
وكل نخبة تحاول إستقراء الأمور من زاوية قِدَم القبيلة وموقعها ضمن الرؤية السياسية المنشودة لمنطقة الصحراء.
لذلك، فإن رمي حجر في برك تتقاطع فيها الكثير من الأشياء والعادات، التي يرى فيها البعض صمام أمان لتميّز عشائري إثني لا يُراد له أن يندثر أو يتطور على الأقل، يكاد يُصنَّف تمردًا، حتى إن البعض يصل إلى وصفه بالردة.
وبالتالي، فإن تقديم النوق والجمال هديةً للفائز بالمقعد البرلماني، الذي صوّتت له جماهير مختلفة الأصول، يطرح إشكالًا في مفهوم الممارسة السياسية، ويشكّل تناقضًا فاضحًا مع قيم الألوان الحزبية التي فاز بها ذلك المرشح أو غيره.
طالما كان مضمون الخطاب الانتخابي يتمحور حول الوضع الاجتماعي الهش للعديد من فئات هذا المجتمع.
وكثيرًا ما انتقد المترشحون السياسات العمومية في المجالين الاجتماعي والاقتصادي بالصحراء.
وكثيرًا ما سمعنا دعوات إلى التحلي بالشجاعة للقطع مع بعض المسلّمات التقليدية التي تكبّل جزءًا من التطور الإيجابي لهذا المجتمع.
لكن على مستوى الممارسة، فإن قبول جزء من ريع معين، ومحاولة المدافعين عن هذا السلوك تبريره باعتباره يندرج في إطار عادات وتقاليد متوارثة تعبّر عن كرم أهل الصحراء، أمرٌ أراه تبريرًا يحجب حقيقة التناقض المفاهيمي والقيمي، ويتجنب الاعتراف بحقيقة الأوضاع الاجتماعية والسعي الحقيقي إلى إيجاد حلول واقعية لها.
يعرف الجميع، خصوصًا ذوو الدخل المحدود، أن تارزيفت، بوصفها تقليدًا تمارسه النساء طيلة السنة، تثقل كاهل الأسرة من الناحية المادية.
ويعرف الجميع أيضًا أن من بين أسباب عزوف الشباب عن الزواج في الصحراء مظاهر البذخ ومتطلبات شكل حفل الزواج، الذي تهيمن عليه جهات محترفة في تأليف الأغاني والأبيات الشعرية. وتُنحر من أجل تلك المناسبات النوق، وتُرمى الأوراق النقدية تحت أقدام فنانين وجدوا في هذا النوع من التماهي مع تقاليد وموروث ثقافي تجاوزته الأحداث والسياق الزمني. وقد تجاوز هذا الموروثَ جيلٌ بات يبحث عن أجوبة لأسئلته عبر وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، التي فتحت العالم ككتاب صغير يختزله جهاز بحجم كف اليد.
ما المعنى السياسي لوجود نواب برلمانيين، خصوصًا المنتمين إلى أحزاب تدّعي أنها حداثية، يقبلون هدايا على شكل نوق وجمال؟
هل يدخل هذا السلوك أو القبول في إطار تعويض جزئي غير مباشر عن مصاريف الحملة الانتخابية؟
بمعنى: خسرت عليكم تكاليف طباعة الأوراق، وفي المقابل أقبل النوق السمينة تحت عنوان «التكبيرة»...
في أي نسق سياسي يمكن أن ينصهر هذا الصنف من الممارسة، الذي يقبل بالماضوية سلوكًا مفروضًا مجتمعيًا بشكل غير معلن، مع التمثّل داخل مؤسسات دستورية سياسية يُفترض فيها أنها تعبّر عن مجتمع قبل بمبدأ الحداثة، لا على مستوى الشعار فحسب، بل بوصفه ممارسة يومية؟
السياسة ليست ممارسة انتخابية فقط، بل هي خطاب وأسلوب حياة، على الرغم من محاولات وممارسات لا تزال تصر على إقناعنا بأنه لا جدوى من السياسة ومن كل أشكال البناء الديمقراطي.






