ليس الاعتراض حكرا على من لم يتول منصبا. فقد يراجع المسؤول السابق اختياراته، ويعترف بأخطائه، ويصير أكثر قدرة على فهم ما لم يره وهو داخل المؤسسة. لكن المراجعة تبدأ بسرد صريح، لا بارتداء هيئة جديدة. من حقه أن يقول إنه اختلف مع شركائه، أو عجز أمام حدود صلاحياته؛ ومن حق الناس أن يعرفوا متى اعترض، وما الذي حاول تغييره، ولماذا لم يستقل إن رأى أن الاستمرار يضره ويضرهم.
تحتاج هذه الأسئلة إلى قدر من العدل بقدر حاجتها إلى الحزم. فالمسؤوليات موزعة، والقرار العمومي تصنعه مؤسسات وأطراف متعددة، وبعض نتائجه لا تظهر إلا بعد حين. اتهام شخص بكل عثرة تبسيط يريح الغاضبين ولا يقربهم من الحقيقة. وفي المقابل، لا يجوز أن تصبح صعوبة التدبير عذرا جاهزا يمحو الفرق بين من اجتهد ومن اكتفى بإدارة موقعه. المحاسبة تبدأ بتحديد ما وعد به كل طرف، وما امتلكه من أدوات، وما تركه وراءه.
غير أن السوق السياسية تكافئ الصورة السريعة أكثر مما تكافئ هذا الجهد. جملة حادة تنتشر أسرع من تقرير، ومواجهة صاخبة تحصد اهتماما يفوق نقاشا هادئا حول ميزانية مستشفى أو مستوى مدرسة. هكذا يجد بعض المتنافسين في إثارة السخط طريقا مختصرا للعودة، بينما يضيق المكان المخصص للسؤال عن الحلول. وحين ينشغل الجميع بمن قال العبارة الأقسى، تختفي القضية التي كان يفترض أن تكون محور الحديث.
ثم إن حصيلة أي ولاية لا تختصر في رقم يرفع على لافتة. قد يفتتح مرفق جديد، لكن موظفيه لا يكفون لاستقبال المرضى؛ وقد يرتفع الإنفاق، بينما لا يشعر أهل الأطراف بتحسن يذكر. هنا، بين الإعلان والتجربة اليومية، تبرز حاجة الناس إلى صحافة تفحص الأرقام ورقابة تصغي إلى من يعيشون آثارها، بعيدا عن المبالغة في المدح أو الإدانة.
لذلك لا يكفي أن يبدو المرشح متألما لأحوال الناس. عليه أن يشرح كيف سيغيرها: أي إجراء يقترح، ومن يملك اتخاذه، وما كلفته، ومتى تظهر نتيجته. هل تحسنت الخدمة التي وعد بتحسينها؟ هل وصل الإنفاق إلى الجهة المقصودة؟ وهل يمكن نشر المعطيات التي تسمح للناس بالتحقق؟ هذه أسئلة، لكنها تنقل السياسة من فن إثارة الانطباع إلى مسؤولية تقديم جواب يمكن اختباره.
وفي المغرب، تزداد قيمة الاختيار حين يعرف الناخب تاريخ من يطلب صوته، ولا يكتفي بما يقوله. قد يحمل القادم الجديد أفكارا فقيرة، وقد يقدم من سبق له العمل العام تجربة تستحق الإنصاف. المعيار ليس حداثة الوجه أو قدمه، بل استقامة السيرة، ووضوح البرنامج، والاستعداد لتحمل النقد. أما استبدال الشعار مع إبقاء الأسئلة معلقة، فلا يقدم للناس سببا معقولا لتجديد الثقة.
ويزيد اليأس الأمر تعقيدا. فحين يقتنع الناس بأن جميع الخيارات سواء، ينسحب بعضهم من النقاش ويتركه للأشد تنظيما أو صوتا. لا يستطيع صوت واحد إصلاح مؤسسة، لكنه يستطيع أن يسند مرشحا أفضل، أو يرفض وعدا مضللا، أو يطالب منتخبا بتفسير. المشاركة الواعية عمل طويل يبدأ قبل الاقتراع ويستمر بعده؛ وفي هذا الامتداد تتكون قوة المجتمع.
ولا تكتمل المساءلة بمجرد اختيار الممثلين. يحتاج المواطن إلى متابعة ما أعلنوه بعد توليهم مهامهم، ويحتاج الصحافي إلى معلومات يستطيع فحصها، وتحتاج الأحزاب إلى شجاعة مراجعة أدائها قبل مطالبة الآخرين بها. بهذه الصلات اليومية بين المجتمع والمؤسسات، يغدو الوعد التزاما قابلا للقياس، وتقل قدرة الخطابة على تغطية وقائع التدبير.
وتبقى العودة مشروعة لمن يقبل المرور من باب الحقيقة الصريحة دون مواربة: اعتراف بما أخفق فيه، ودليل على ما تعلمه، وتصور لما يستطيع إنجازه. فالأوطان لا تتقدم كلما تبدلت نبرة الخطيب، وإنما حين تكف عن منح الماضي اسما جديدا، وتمنح المستقبل حقه في مسؤولين يتذكرون ما قالوا لأن الناس لم ينسوا ما عاشوا.






