ومن هذه الزاوية يمكن طرح فرضية تستحق الاختبار: هل تجري مواجهة فوبيا اللايقين الانتخابي بمحاولة بناء تقاطبية مركزية بين حزبين ذوي جذور إدارية، بحيث يُقدَّم تنافسهما إعلاميًا ودعائيًا كما لو كان حقيقة سوسيولوجية قائمة، قبل أن تتحول هذه الصورة إلى حقيقة انتخابية محتملة؟.
هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته «سوسيولوجيا إنتاج الاحتمال السياسي»؛ أي دراسة الكيفية التي لا تُصنع بها النتيجة بالضرورة، وإنما تُصنع البيئة الاجتماعية والرمزية التي تجعل نتيجة معينة أكثر قابلية للتوقع والتصديق من غيرها.
فالسؤال لا يعود فقط إلى من سيفوز؟ بل لكيف يُنتج الاعتقاد بأن فاعلًا سياسيًا معينًا قابل للفوز، ومن ينتج هذا الاعتقاد، ومن يلتقط إشاراته، وكيف يتحول التوقع إلى مورد سياسي وانتخابي؟.
ويتيح مفهوم الهيمنة الرمزية فهم جانب من هذه الآلية؛ فالهيمنة لا تحتاج دائمًا إلى أمر مباشر أو تدخل ظاهر، بل يمكن أن تعمل من خلال إنتاج الاعتقاد بأن حزبًا معينًا يتقدم، وأن تصدره أصبح ممكنًا أو مرجحًا، وأن الاقتراب منه بالتالي اختيار عقلاني ؛ وهكذا تنتقل القوة من مجال الإكراه إلى مجال التوقع ؛ فحين تمنح مؤسسات شبكية إعلامية مؤثرة أفضلية واضحة لحزب معين أو تعلن دعمه ؛ خاصة إذا كانت تتباهى بعلاقات نفوذ داخلية وخارجية ؛ حيث لا يشكل ذلك في ذاته دليلًا على توجيه مركزي، لكنه قد يتحول موضوعيًا إلى إشارة ضوء أخضر رمزية تلتقطها شبكات المصالح والأعيان والنخب المحلية والمؤثرون والفاعلون الاقتصاديون والكائنات الانتخابية ؛ وقد يعيد هؤلاء ترتيب مواقعهم وتحالفاتهم ومواردهم وفق قراءتهم لاتجاه موازين القوة.
وهنا تحديدًا تشتغل سوسيولوجيا إنتاج الاحتمال السياسي، حيث كل توقع إعلامي يولّد اصطفافًا؛ والاصطفاف يوفر للحزب موارد وشبكات ومرشحين؛ وهذه الموارد تعزز حضوره؛ ثم يتحول هذا الحضور نفسه إلى قرينة جديدة على صدقية التوقع الأول، مما يوحي بأننا أمام دائرة للتصديق الذاتي للتوقع السياسي ؛ غير أن أهمية تصدر الانتخابات في النظام الدستوري المغربي لا تقف عند حدود الفوز الحزبي؛ إذ يرتب الفصل 47 من الدستور على صدارة انتخابات أعضاء مجلس النواب أثرًا دستوريًا جوهريًا يتعلق بتعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر تلك الانتخابات وعلى أساس نتائجها ؛ ومن هنا تصبح مسألة «من يتصدر؟» حلقة مركزية تصل المجال الانتخابي ، في سياق تبرير العلاقة السببية ، بالمجال الحكومي.
وهذا يسمح بتطوير الفرضية خطوة إضافية؛ فإذا كان تدبير اللايقين يرمي، وفق هذا المنظور التحليلي، إلى تقليص مساحة المفاجأة، فإن إنتاج احتمال الحزب المتصدر يصبح مدخلًا لإنتاج احتمال رئيس الحكومة، ومنه مدخلًا أوليًا لهندسة الخريطة الحكومية الممكنة ، وبعدها يتم تيسير التوجيه بالسياسة العامة.
فليس كل ترتيب انتخابي متساويًا من حيث آثاره الدستورية ؛ فالمركز الأول يكتسب قيمة نوعية لأنه يحدد الحزب الذي يجب أن ينتمي إليه الشخص الذي يُعيَّن رئيسًا للحكومة، ومن ثم قد يصبح الرهان، بالنسبة إلى منطق يسعى إلى زيادة قابلية المشهد للتوقع، ليس التحكم في جميع المقاعد ولا إلغاء التنافس، وإنما جعل منطقة الصدارة نفسها أقل تعرضًا للمفاجأة ؛ وعند هذه النقطة يلتقي اللايقين الانتخابي باليقين الدستوري ، لأن الناخبين يحددون النتائج، لكن الدستور يرتب على الصدارة نتيجة مؤسساتية محددة تتعلق بمصدر تعيين رئيس الحكومة. ولذلك تصبح صناعة قابلية حزب معين للتصدر ذات أثر يتجاوز الحزب نفسه إلى تشكيل المجال الذي ستجري داخله لاحقًا مفاوضات الأغلبية والتحالف الحكومي ؛ غير أن ذلك لا يعني أن معرفة الحزب المتصدر تسمح مسبقًا بمعرفة التركيبة الحكومية؛ فنتائج بقية الأحزاب، وتوزيع المقاعد، ومفاوضات التحالف، كلها متغيرات مستقلة نسبيًا ، خاصة في ظل عنصر ” القاسم الانتخابي ” كصمام أمان ذكي ؛ ولذلك فالأدق الحديث عن هندسة مجال الاحتمال الحكومي لا عن هندسة حكومة مكتملة سلفًا ؛ وبهذا المعنى يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات:
حوكمة اللايقين الانتخابي، حيث يكون الرهان تقليص مساحة المفاجأة؛ وإنتاج الاحتمال السياسي، حيث تُصنع رمزيًا واجتماعيًا قابلية حزب معين للتصدر؛ ثم هندسة مجال الاحتمال الحكومي، حيث تصبح الصدارة، بفعل الفصل 47، نقطة الانطلاق الدستورية لتشكيل السلطة التنفيذية الحكومية ؛ فتصير السلسلة التحليلية أكثر اكتمالًا:
(فوبيا اللايقين – حوكمة اللايقين – إنتاج الاحتمال السياسي – الهيمنة الرمزية – اصطفاف الشبكات والموارد – تعزيز احتمال الصدارة – تفعيل مقتضى الفصل 47 – تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر – انطلاق هندسة الخريطة الحكومية).
أما أمننة النتيجة الانتخابية فتبقى فرضية أشد من ذلك كله، لانها تحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يجوز استنتاجها آليًا من مجرد وجود مؤشرات على صناعة التوقع أو الهيمنة الرمزية ، وهنا تظهر المفارقة الديمقراطية ، فالانتخابات تحتاج إلى اللايقين حتى تظل تنافسًا مفتوحًا، بينما يميل منطق الدولة إلى طلب قدر من القابلية للتوقع بما يسمح باستمرار المؤسسات وتدبير المخاطر ؛ ويبدأ السؤال الديمقراطي عندما لا يعود الأمر متعلقًا بتدبير نتائج الاقتراع بعد حصولها، وإنما باحتمال التأثير المسبق في شروط إنتاج الاحتمالات السياسية ذاتها.
لذلك لا يصبح السؤال فقط: من سيفوز؟ بل أيضًا: من يمتلك القدرة على جعل تصدر طرف معين يبدو طبيعيًا وممكنًا ومتوقعًا قبل أن يتكلم الناخب، وما أثر ذلك في المجال الحكومي الذي سيفتحه الفصل 47 بعد الاقتراع؟.
وهنا تكمن فائدة سوسيولوجيا إنتاج الاحتمال السياسي: إنها تنقلنا من فرضية «صناعة النتيجة» إلى سؤال أكثر تركيبًا هو صناعة قابلية النتيجة للتصديق، ثم تحويلها، عبر الأثر الدستوري للصدارة، إلى مجال قابل لهندسة الاحتمال الحكومي ؛ فالهيمنة الرمزية الأكثر فعالية قد لا تكون تلك التي تحدد للناخب ما سيختاره، وإنما تلك التي تسهم مسبقًا في تشكيل المجال الذي يتصور داخله ما هو ممكن؛ ثم تترك للصندوق أن يحول الاحتمال السياسي إلى حقيقة انتخابية، وللدستور أن يحول الصدارة الانتخابية إلى أثر حكومي.






