لسنوات طويلة، كان المغرب يتحرك داخل محيط إقليمي صعب بمنطق الدفاع، يدافع عن وحدته الترابية، يلاحق خصومه دبلوماسيا، يشرح مواقفه، ويرد على المبادرات التي تأتي من الخارج. أما التحول الذي يستحق الانتباه اليوم فهو أن المغرب بدأ يخرج تدريجيا من موقع الدفاع عن مصالحه إلى محاولة تشكيل جزء من محيطه الاستراتيجي.
والفرق بين الموقعين كبير.. فالدولة التي تدافع فقط تنتظر حركة الآخرين ثم تبحث عن الرد المناسب. أما الدولة التي تريد التأثير في محيطها فتبني العلاقات قبل أن تحتاج إليها، وتنويع الشراكات وتراكم أوراق القوة، وتبحث عن موطئ قدم اقتصادي ودبلوماسي وأمني في المجالات التي تمس مصالحها.
وهنا ينبغي أن ننظر إلى الخريطة قبل أن نحاكم السياسة. فإلى الشرق توجد الجزائر، الخصم الإقليمي للمغرب، التي تدعم باسم المبادئ ومناصرة حركات التحرر وحق تقرير الشعوب لمصيرها، جبهة البوليساريو في نزاع الصحراء، فيما يمتد التنافس بين البلدين اليوم إلى الساحل والتحالفات الإقليمية. وقد أظهرت الأزمة الجزائرية الإماراتية الأخيرة بدورها مدى تداخل ملف الصحراء مع إعادة ترتيب الاصطفافات في المنطقة.
وإلى الشمال توجد إسبانيا، الشريك الاقتصادي والأمني الكبير، وفي الوقت نفسه الدولة التي تمارس السيادة الفعلية على سبتة ومليلية، وهي سيادة لا يعترف بها المغرب. كما أن العلاقة مع الرباط تدخل أحيانا في التجاذب السياسي الداخلي الإسباني، وهو ما ظهر بوضوح بعد أحداث سبتة الأخيرة، حين رفض المغرب أن يتحول إلى ورقة في الصراع الانتخابي الإسباني.
وبين الشرق والشمال، توجد منطقة الساحل والمحيط الأطلسي، وإفريقيا الغربية، وأوروبا، ثم القوى الدولية الكبرى.
إنها جغرافيا ملغومة بالتحديات، تجعل بناء القوة وحسن اختيار التحالفات ضرورة استراتيجية..
ولهذا يصعب فهم التحركات المغربية تجاه واشنطن أو باريس أو بكين أو دول الخليج أو إسرائيل إذا عزلناها عن هذه الخريطة. فالسياسة الخارجية ليست مجموعة مواقف أخلاقية منفصلة عن بعضها بقدر ما هي قبل كل شيء، محاولة مستمرة لبناء أفضل موقع ممكن للدولة داخل ميزان قوى متحرك.
حتى قرار تطوير العلاقات مع إسرائيل، الذي يمكن الاختلاف سياسيا وأخلاقيا حوله، ينبغي عند تحليله جيوسياسيا أن يوضع داخل هذه المعادلة الأوسع. وقد انتقلت العلاقة في شتنبر 2026 إلى اتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وفتح سفارتين وتعيين سفيرين.
ليس المطلوب أن نصفق لكل قرار تتخذه الدولة، ولا أن نحول السياسة الخارجية إلى مجال مقدس خارج النقد. المطلوب فقط أن نحاكم القرار داخل البيئة التي اتخذ فيها، وأن نسأل ماذا يضيف إلى قوة المغرب؟ وماذا يكلفه؟ وأي أوراق يمنحه في مواجهة التحديات المحيطة به؟
فالسياسة الدولية ليست مسابقة في نقاء المواقف، لأنها في منطق السياسة هي إدارة لموازين القوة بذكاء. وهنا يتجلى جوهر التحول المغربي، حيث الانتقال من حماية الموقع داخل ميزان القوة إلى المساهمة في تشكيله، ومن سياسة رد الفعل إلى امتلاك زمام المبادرة. وفي هذا التصور تتحول التحالفات إلى أدوات استراتيجية تبنى وفق المصالح، وتتغير قيمتها ووظيفتها بتغير الظروف وموازين القوة.
وهذا التحول طبيعي أن يثير القلق لدى بعض الأطراف. لأن الدول تعتاد على صورة معينة لجيرانها وشركائها. وحين تتغير تلك الصورة، تتغير معها الحسابات. ذلك أن الدولة التي اعتاد الآخرون أن يروا فيها طرفا يشرح مواقفه ويطلب الدعم تختلف عن دولة تراكم الشراكات وتوسع مجال حركتها وتحاول أن تجعل لمواقفها كلفة ولتحالفاتها وزنا.
المغرب لا يدعي أنه قوة عظمى، ولا ينبغي أن يتصرف بوهم أنه أصبح كذلك. موارده وحدود قوته معروفة، ومحيطه شديد التعقيد. لذلك فهو مدرك تمام الادراك أن نجاح هذا التحول سيقاس بقدرته على الجمع بين الطموح والحذر، وبين توسيع النفوذ وتجنب الاستنزاف، وبين بناء القوة والحفاظ على الاستقرار. فالقوة الحقيقية ليست في كثرة الخصومات، وإنما في تقليل قدرة الخصوم على الإضرار بمصالحك.
ومن هنا تصبح اليقظة تجاه الجغرافيا ضرورة، لا دعوة إلى العداء. فالشعوب تستطيع أن تتقارب، والثقافات تستطيع أن تتعايش، أما الدول فتبقى مسؤولة عن قراءة محيطها كما هو، لا كما تتمنى أن يكون.
ولعل هذا ما يفسر جانبا من القلق الذي يرافق التحول المغربي في بعض القراءات الخارجية.
ليس لأن المغرب أصبح أقوى من الجميع، ولا لأنه ربح كل معاركه، وإنما لأن الصورة القديمة لم تعد كافية لفهمه.
وما يزعجهم حقا هو أن المغرب تغير... من دون أن يستأذن أحدا.






