سياسة واقتصاد

شوارع مليئة بالوعود الملقاة: كيف تكشف مخلفات الحملات الانتخابية أزمة ثقة المغاربة بالسياسة؟‬

ابراهيم الخياطي (باحث في الثقافة البصرية والوساطة الرقمية)

 

بعد مرور قافلة انتخابية في أحد شوارع المدينة، لا يبقى منها أحيانًا سوى شيء واحد: أوراق متناثرة تحمل وجوه المرشحين، رموز الأحزاب وشعاراتها. أوراق كان يفترض أن تكون وسيلة للإقناع، لكنها تنتهي فوق الأرصفة وبين عجلات السيارات.

للوهلة الأولى، تبدو المسألة مجرد نفايات انتخابية. لكن إذا نظرنا إليها بوصفها وثيقة بصرية، فإن الورقة الانتخابية تصبح أكثر من ذلك بكثير: تصبح نصًا صغيرًا عن الطريقة التي تريد بها السياسة أن تُرى، وعن الصورة التي تحملها عن المواطن.

في معظم هذه المنشورات، يحتل الوجه مساحة مركزية. صورة المرشح، إلى جانب رمز الحزب ولونه وشعاره، تسبق البرنامج في كثير من الأحيان. وكأن الرسالة تبدأ من الشخص قبل الفكرة: انظر إليّ أولًا، ثم اسأل عمّا أقول.

وهنا تتحول الحملة الانتخابية إلى اقتصاد للانتباه. في شارع مزدحم، وبين عشرات الرسائل والصور، لا يملك المنشور سوى ثوانٍ قليلة ليترك أثرًا. لذلك تصبح الكلمات مختصرة، والألوان محسوبة، والصور حاضرة بقوة، بينما تتكرر مفردات واسعة التداول: العمل، الشباب، التنمية، الصحة، الكرامة، المستقبل.

لكن السؤال الأهم ليس: ماذا تقول الورقة؟

بل: كيف اختارت أن تقول ذلك؟

فالفرق بين برنامج سياسي وآخر لا يظهر دائمًا في الشعار الكبير المطبوع على الوجه الأول للمنشور، بل في التفاصيل التي تحتاج إلى وقت أطول للقراءة والفهم: كيف سيُنفذ الوعد؟ ما حدوده؟ من المسؤول عنه؟ وما الذي يمكن للمواطن أن يحاسب عليه بعد انتهاء الحملة؟

حتى الورقة التي نجدها مرمية في الشارع لا ينبغي أن تتحول إلى دليل جاهز على رفض الناخب للسياسة. قد يكون التخلص منها سلوكًا عمليًا، أو نتيجة لحظية للتعامل مع مادة دعائية لا يحتاجها المواطن. لكن كثرتها، وتراكمها، وطريقة انتشارها في المجال العام، تفتح سؤالًا آخر حول العلاقة بين السياسي والمواطن: هل تنتهي العلاقة بمجرد انتهاء لحظة التوزيع؟

وفي زمن أصبحت فيه السياسة تُستهلك أيضًا عبر الهاتف، تبدو الورقة الانتخابية وكأنها تعيش مرحلة انتقالية. بعض الحملات تجمع بين الصورة المطبوعة والرمز الرقمي، وبين المنشور الورقي وحسابات التواصل الاجتماعي، في محاولة لنقل الناخب من الشارع إلى الشاشة. السياسة هنا لم تعد خطابًا واحدًا، بل منظومة بصرية متعددة المنصات.

ومع ذلك، تبقى الورقة شيئًا لافتًا: قطعة صغيرة تحمل في وجهها صورة مرشح، وفي ظهرها وعدًا، ثم تنتهي أحيانًا مجهولة المصير فوق رصيف.

وربما هنا تكمن المفارقة.

فالورقة التي صُممت لتبقى في ذاكرة الناخب، قد تصبح أول ما يُنسى بعد دقائق.

لكن ماذا لو كانت تلك الأوراق المرمية لا تتحدث فقط عن الانتخابات؟

ماذا لو كانت، دون أن تقصد، تسجل شيئًا عن زمننا كله؛ عن علاقتنا بالصورة، وبالوعد، وبالسلطة، وبالفضاء العام؟

قد يأتي يوم لا نقرأ فيه أرصفة المدن بوصفها أماكن تعبرها السيارات والناس فقط، بل بوصفها أرشيفًا صامتًا لما كنا نؤمن به، وما كنا نعد به، وما كنا نبحث عنه.

وفي النهاية، ربما لا تكون الحكاية عن الأوراق التي امتلأت بها الشوارع، ولا عن الوجوه التي طبعت عليها، ولا حتى عن الوعود التي حملتها.

ربما تكون الحكاية عن شيء أقدم وأعمق: عن الإنسان حين يحاول أن يترك أثرًا في ذاكرة إنسان آخر.

كل ورقة انتخابية تحمل وجهًا يريد أن يُرى، واسمًا يريد أن يُحفظ، ووعدًا يريد أن يُصدَّق. ثم، في لحظة ما، تسقط من اليد… وتبقى على الأرض.

تدوسها الأقدام، تبللها الأمطار، تحملها الرياح، وتبهت عليها الوجوه والشعارات.

لكن ماذا لو كانت المدينة نفسها تتذكر؟

ماذا لو أن الأرصفة، التي شهدت مرور القوافل والهتافات والوعود، تحتفظ بطريقة ما بكل ما حاولنا نسيانه؟

بعد سنوات، قد لا يتذكر أحد اسم المرشح الذي كان على تلك الورقة، ولا الشعار الذي رفعه، ولا الوعود التي كُتبت عليها.

لكن الورقة ستبقى، ولو للحظة، شاهدة على زمنٍ كان فيه الجميع يقول شيئًا للجميع.

وربما، حين يسقط آخر منشور انتخابي على آخر رصيف، لن يكون السؤال: من فاز؟

بل:

ماذا بقي من كل ما قيل؟

وربما يكون ذلك هو الجزء الذي لم يُكتب على أي منشور…

والذي كانت المدينة تعرفه منذ البداية.