سياسة واقتصاد

ما هي الدروس المستخلصة من الحملة الانتخابية؟

مصطفى المنوزي (محام ورئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)
لا تقتصر أهمية الحملة الانتخابية على معرفة البرامج المتنافسة وموازين القوى بين الأحزاب؛ فهي لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة بين الانتخابات والسلطة والمسؤولية: ما الذي يُعرض فعلًا على اختيار الناخب؟ وما مقدار السلطة التي يمنحها الاقتراع لمن يفوز؟ وأين تنتهي السياسة الحكومية أمام المستويات الأخرى لصناعة الاختيار العام؟.

من هنا لا يكفي السؤال عن من سيفوز ومن سيشكل الحكومة؟ بل ينبغي طرح سؤال أسبق: ما الذي ننتخبه فعلًا عندما نصوت؟.

يفترض أن تتنافس الأحزاب أساسًا حول البرامج والحصيلة والسياسات العمومية، بما قد يوحي بأن الحكومة هي المركز الوحيد لإنتاج الاختيار العام، وأن تغيير الأغلبية يعني القدرة على تغيير مجمل السياسات. والحال أن التمييز بين سياسة الحكومة والبنية الأوسع لصناعة السياسة العامة يفرض نفسه؛ فالحكومة فاعل مركزي وتتحمل مسؤولية سياسية مباشرة، لكنها تتحرك داخل هندسة دستورية ومؤسساتية تتوزع فيها وظائف القرار والتوجيه والتنفيذ والرقابة بين مؤسسات متعددة.

وهنا يظهر أول أوجه «لاتزامن السلطة والمساءلة»: قد تكون خريطة صناعة القرار أوسع من خريطة المسؤولية التي تعرضها الحملة على الناخب، فتصبح الحكومة موضوع المحاسبة المباشرة، بينما لا تكون جميع محددات الاختيارات التي تنفذها واقعة بالضرورة داخل دائرة قرارها المنفرد ؛ كما تكشف الحملة الحاجة إلى مراجعة تصور الحكومة باعتبارها حكمًا يقف فوق الصراع الاجتماعي، فالسياسة نفسها اختيار بين أولويات ومصالح وتوزيع للكلفة والموارد؛ والضرائب والأجور والدعم والاستثمار والعقار والفلاحة والحماية الاجتماعية وتنظيم السوق كلها قرارات ذات آثار متفاوتة على الفئات الاجتماعية.

لذلك لا يتعلق السؤال فقط بنزاهة المسؤولين، بل كذلك بكيفية تمثيل المصالح داخل القرار العنومي العام، وشفافية تأثيرها، وضمانات تدبير تعارض المصالح حين تتقاطع مواقع القرار السياسي مع مواقع القوة الاقتصادية.

ومن هنا ينبغي الانتقال من تعارض المصالح إلى ما يمكن تسميته تعارض المواقع: موقع المنتخب، وموقع الفاعل الاقتصادي، وموقع الحزب، وموقع الإدارة، ومواقع المؤسسات الأخرى المشاركة في إنتاج الاختيار العام ؛ فالسؤال لا يعود فقط: هل استفاد مسؤول من قرار؟ وإنما: من يمتلك موارد التأثير والمعلومة والقرار؟ ومن يستطيع الاعتراض؟ ومن يعلل الاختيار؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟.

لكن الحملة تكشف مفارقة ثانية تتعلق بالرهان شبه اليقيني على العملية الانتخابية نفسها. فالانتخابات مركزية في الديمقراطية التمثيلية، لكنها لا تستطيع إنتاج مساءلة أوسع من المجال الذي تمنح فيه المواطن سلطة الاختيار. فإذا كان التنافس الانتخابي يدور أساسًا حول السياسات الحكومية، بينما تتشكل بعض محددات السياسة العامة داخل بنية أوسع، فإن تحميل الانتخابات وحدها وظيفة المحاسبة الشاملة يؤدي إلى مطالبة الناخب بمحاسبة الحكومة عن نتائج قد لا تكون جميع شروط إنتاجها خاضعة لقرارها وحدها ، وهنا يظهر مفهوم «سقف الوكالة الانتخابية»: ما مقدار السلطة التي يستطيع المواطن بالفعل إعادة تشكيلها بواسطة صوته؟.

وتتخذ هذه المفارقة بعدًا إضافيًا عند النظر، بصفة عرضية، إلى القاسم الانتخابي وطريقة تحويل الأصوات إلى مقاعد ؛ فاختيار الصيغة الانتخابية ليس مجرد عملية حسابية محايدة؛ إذ يؤثر في درجة التركيز أو التشتت داخل المؤسسة التمثيلية.

ويمكن للآليات التي تحد من حصول حزب واحد على كتلة مهيمنة أن تُقرأ من زاوية حماية التعددية والحد من الاحتكار الحزبي للتمثيل؛ لكنها تثير، في المقابل، سؤالًا ديمقراطيًا آخر: إذا كان الحزب يقدم برنامجًا إلى الناخب ويُفترض أن يحاسب لاحقًا على تنفيذه، فإلى أي حد يستطيع تنفيذ هذا البرنامج عندما تجعل هندسة توزيع المقاعد تشكيل الحكومات الائتلافية والتفاوض بين برامج متعددة أكثر حضورًا؟.

ولا يعني ذلك أن الهيمنة الحزبية مطلوبة في ذاتها، ولا أن التعددية عائق للديمقراطية؛ بل يكشف عن توتر بنيوي بين قيمتين مشروعـتين: منع احتكار التمثيل من جهة، وتمكين أغلبية سياسية واضحة من امتلاك اقتدار كافٍ لتنفيذ برنامج يمكن مساءلتها عنه من جهة أخرى. فالمساءلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يتوزع البرنامج الحكومي بين أحزاب متعددة يستطيع كل منها لاحقًا نسبة النجاح إليه أو إرجاع الإخفاق إلى شركائه.

وهنا يلتقي النظام الانتخابي مع إشكالية «لاتزامن السلطة والمساءلة»: فليست المسألة فقط من يملك السلطة، بل أيضًا هل مُنح من يفوز انتخابيًا من الاقتدار ما يتناسب مع المسؤولية التي سيطالَب بتحملها؟.

ومن هذه الزاوية يمكن التمييز بين الرهان الحزبي، المتمثل في الفوز بالأصوات والمقاعد وتشكيل أغلبية وتنفيذ برنامج، وبين الرهان الدولتي الأوسع المتعلق باستمرارية الدولة ومصالحها الاستراتيجية وتماسك سياساتها بعيدة المدى؛ حيث لا تكمن الإشكالية في وجود الرهانين، وإنما في كيفية انتظام العلاقة بينهما: ما الذي يخضع للتداول؟ وما الذي يستمر عبر الحكومات؟ وكيف تخضع مجالات الاستمرارية، مع اختلاف طبيعتها، للتعليل والرقابة والمساءلة المناسبة؟.

عندئذ يصبح «لاتزامن السلطة والمساءلة» مظهرًا مؤسساتيًا لمشكلة أوسع هي «اللاتزامن الديمقراطي» بأن تتطور قدرة الدولة على صناعة القرار بوتيرة لا يواكبها بالقدر نفسه تطور قدرة المجتمع والمؤسسات على معرفة مصادر القرار ومناقشة أسبابه ومراقبة آثاره وترتيب المسؤولية عنه.

ولذلك قد يكون الاقتصار على تشخيص الفساد مضللًا إذا حجب سؤال بنية السلطة. فالفساد يسأل: كيف استُعملت السلطة؟ أما السؤال الديمقراطي الأسبق فهو كيف وُزعت السلطة، ومن يملكها، ومن يراقبها، ومن يتحمل نتائجها؟.

ومن هنا يمكن تكثيف الدرس المستخلص من الحملة في فرضية واحدة: كلما كانت السلطة أوسع من الوكالة الانتخابية، وجب أن تكون المساءلة أوسع من المحاسبة الانتخابية؛ وكلما طُلب من الأحزاب تحمل مسؤولية تنفيذ البرامج، وجب كذلك فحص مقدار الاقتدار المؤسسي الذي تتيحه لها الانتخابات لتنفيذها.

فالرهان ليس تبخيس الانتخابات ولا إضفاء قدرة مطلقة عليها، وإنما معرفة حدودها: هل تنتج فقط أغلبية عددية؟ أم تنتج أيضًا أغلبية قادرة على الحكم وتحمل المسؤولية؟ وما الذي يبقى خارج مجال التداول الحكومي، وما آليات مساءلته؟.

وهكذا يعود السؤال المركزي في صيغة أكثر تركيبًا: هل توجد المساءلة حيث توجد السلطة، وبقدر ما توجد السلطة؛ وهل يوجد الاقتدار حيث توجد المسؤولية، وبقدر ما تُطلب المسؤولية؟

ذلك هو جوهر الانتقال من مجرد انتخابات لتوزيع المقاعد إلى ديمقراطية تحاول تحقيق التزامن بين الاختيار والاقتدار والقرار والمسؤولية والمساءلة.