وتكتسي الأمازيغية في هذا السياق أهمية خاصة، ليس باعتبارها مجرد ملف ثقافي، وإنما باعتبارها لغة رسمية للدولة ورصيداً مشتركاً لجميع المغاربة بمقتضى الفصل الخامس من الدستور. كما أن القانون التنظيمي رقم 26.16 حدد مجالات ومراحل إدماجها في التعليم والتشريع والعمل البرلماني والإعلام والإدارة والفضاءات العمومية والتقاضي وغيرها.
ومن ثم، فإن السؤال الذي تطرحه انتخابات المغرب هنا والان لا ينبغي أن يكون هل تعترف الأحزاب بالأمازيغية؟ فقد أصبح الاعتراف بها دستورياً وقانونياً أمراً محسومًا، وإنما السؤال الحقيقي هو ماذا ستفعل الحكومة والبرلمان المقبلان من أجل الانتقال بالأمازيغية من مستوى الاعتراف إلى مستوى الممارسة اليومية؟.
لقد مر أكثر من خمسة عشر عاماً على الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية، وأكثر من سبع سنوات على صدور القانون التنظيمي رقم 26.16 االمتعلق بتفعيل الطابع الرسمي
وخلال هذه الفترة، عرف ورش التفعيل خطوات مهمة، من بينها تخصيص اعتمادات مالية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، حيث أعلنت الوزارة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن الغلاف المالي ارتفع تدريجياً ليبلغ مليار درهم ابتداء من سنة 2025.
غير أن الانتقال من الاعتماد المالي إلى الأثر الملموس في حياة المواطن يظل هو الاختبار الحقيقي.
فالمواطن لا يقيس رسمية اللغة بعدد الخطب والبرامج، وإنما بمدى قدرته على استعمالها في الإدارة، والمدرسة، والمحكمة، والمستشفى، والإعلام، والفضاء الرقمي، والوثائق والخدمات العمومية.
وهنا تكتسب البرامج الانتخابية للاحزاب المغربية أهمية خاصة، لأنها تمثل نوعاً من التعاقد السياسي بينها وبين الناخبين.
وهذا يدفعنا الى طرح سؤال ماذا تقول البرامج الانتخابية لسنة 2026؟
تكشف القراءة الأولية للبرامج الانتخابية المنشورة أن الأمازيغية حضرت بدرجات مختلفة لدى عدد من الأحزاب، غير أن طبيعة الالتزامات تختلف من حزب إلى آخر، بين الحديث العام عن دعمها وبين اقتراح آليات وتمويلات ومؤشرات أكثر تحديداً.
وفي هذا الاطار فالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يطرح توسيع حضور الأمازيغية في الإدارات الترابية والوثائق الإدارية والتعليم والإعلام والمحاكم، في إطار الانتقال من الاعتراف الدستوري والقانوني إلى الممارسة المؤسساتية اليومية.
و لم تغب الأمازيغية عن البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية لانتخابات 23 شتنبر 2026، لكنها حضرت أساساً ضمن قضايا الهوية والتعليم، من خلال التعهد بتطوير وضعها في المدرسة، إضافة إلى اقتراح تطوير مدرسة رقمية لتعليم العربية والأمازيغية لأبناء الجالية.
هذا في الوقت الذي يقترح فيه حزب التجمع الوطني للأحرار إحداث صندوق لمواكبة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بهدف تمويل إدماجها في التعليم والتشريع والعمل البرلماني والإعلام والإدارة وغيرها من المجالات.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد جعل الأمازيغية ضمن ميثاق المواطنة، واقترح إنشاء صندوق خاص لدعم استعمال الأمازيغية بتمويل يصل إلى ملياري درهم، إلى جانب تفعيل المادة 34 من القانون التنظيمي المتعلقة باللجنة الوزارية الدائمة المكلفة بتتبع وتقييم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.
وفي البرنامج الانتخابي لـ حزب الاستقلال، ترد الأمازيغية ضمن تصور يتعلق بتقوية اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية، مع الدعوة إلى تسريع أجرأة القانون المتعلق بالأمازيغية وإطلاق برامج لتقوية اللغتين الرسميتين.
وتقدم الحركة الشعبية في برنامجها تصوراً أكثر تفصيلاً من حيث عدد من الإجراءات المقترحة، من بينها تعميم تعليم الأمازيغية، وزيادة أعداد الأساتذة، وإدماجها في المرافق العمومية، ورقمنة الخدمات باللغة الأمازيغية، ورفع حضورها في الإعلام العمومي، وربطها أيضاً بالاقتصاد الثقافي والسياحة والتنمية المجالية.
وبذلك يتضح أن الأمازيغية لم تعد غائبة عن الخطاب الانتخابي للاحزاب كما كان الأمر في سنوات سابقة، وإنما أصبحت حاضرة في عدد من البرامج، وإن بدرجات متفاوتة من حيث التفصيل والتمويل وآليات التنفيذ والجدولة الزمنية. لذلك فان المشكلة ليست في الوعود وإنما في قابلية الوعود للتنفيذ.
فعندما يقول حزب إنه سيدعم الأمازيغية، يبقى السؤال كم من الموارد المالية سيخصص؟ وما هي المؤسسات المسؤولة عن التنفيذ؟ وما هو الأجل الزمني؟ وما هي النتائج المنتظرة؟ ومن سيتولى تقييم الحصيلة؟
لذلك فإن الحديث عن الأمازيغية في البرامج الحزبية باعتبارها لغة رسمية يجب أن يتحول إلى مؤشرات قابلة للقياس.
كم مدرسة ستدرس الأمازيغية؟
كم أستاذاً سيتم تكوينه؟
كم إدارة ستوفر خدماتها بها؟
كم وثيقة إدارية ستكون متاحة باللغة الأمازيغية؟
ما حجم حضورها في الإعلام العمومي؟
ما موقعها في القضاء؟
وما حجم الاستثمار في المحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي والترجمة والتعليم الإلكتروني؟
والجواب عن هذه الأسئلة هوأكثر أهمية من عدد المرات التي ترد فيها كلمة "الأمازيغية" داخل البرنامج الانتخابي لاي حزب.
و الأمازيغية من هذا المنظور لايجب ان تكون قضية انتخابية موسمية تتحول إلى موضوع انتخابي يظهر بقوة خلال الحملة الانتخابية ثم يتراجع حضوره بعد تشكيل الحكومة.
فاللغة لا يجب أن تكون مجرد أداة لاستمالة الناخبين في المناطق ذات الحضور الأمازيغي، لأن الدستور لم يجعل الأمازيغية لغة جهوية أو محلية، بل جعلها لغة رسمية للدولة ورصيداً مشتركاً لجميع المغاربة.
ومن هنا فإن التعامل معها يجب أن يكون وطنياً ومؤسساتياً، لا موسمياً ولا انتخابياً فقط.
كما أن ربط الأمازيغية فقط بالمناطق التي تعرف حضوراً قوياً للناطقين بها قد يؤدي إلى اختزال قضية وطنية في بعدها الجهوي. فالأمازيغية شأن مغربي عام، كما أن العربية شأن مغربي عام، والاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي لا يفترض وضع اللغتين في مواجهة بعضهما، بل يقتضي بناء سياسة لغوية متوازنة تنسجم مع الدستور.
والاكيد ان التحول الأهم في النقاش الحالي هو أن الأمازيغية بدأت تظهر في بعض البرامج باعتبارها أكثر من مجرد قضية ثقافية.فهي مرتبطة بالتعليم، والإدارة، والإعلام، والعدالة، والاقتصاد الثقافي، والسياحة، والصناعات الإبداعية والمعارف الثقليدية ، والرقمنة.
وهذا يفتح الباب أمام تصور جديد للأمازيغية باعتبارها جزءاً من التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فالتراث الأمازيغي، والموسيقى، والصناعات التقليدية، والسينما، والنشر، والمحتوى الرقمي، والسياحة الثقافية، كلها مجالات يمكن أن تتحول فيها اللغة والثقافة إلى مورد اقتصادي وفرص للشغل، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب.
وبذلك تنتقل الأمازيغية من سؤال "الاعتراف" إلى سؤال "الإنتاج"، ومن الدفاع عنها باعتبارها تراثاً إلى الاستثمار فيها باعتبارها جزءاً من المستقبل.
وهذا يدفعنا الى القول ان الاختبار الحقيقي للاحزاب لن يكون يوم الاقتراع، وإنما بعد تشكيل البرلمان والحكومة.
فهل ستتحول الالتزامات الانتخابية إلى قوانين وميزانيات وبرامج؟
وهل سيتم وضع مؤشرات سنوية لتقييم تنفيذ القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للغة الامازيغية ؟
وهل سيتم نشر حصيلة سنوية واضحة أمام المواطنين؟
وهل ستصبح الأمازيغية حاضرة بصورة طبيعية في الإدارة والقضاء والتعليم والإعلام والفضاء الرقمي الخ ؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد مدى انتقال المغرب من مرحلة الاعتراف الدستوري بالأمازيغية إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي الفعلي وتنفيذ الاحزاب التي سوف تشكل الحكومة لهذا الالتزام الدستوري
ومن المفيد في هذه الانتخابات أن يقرأ المواطن البرامج الحزبية ليس فقط من زاوية ما تقوله عن الأمازيغية، وإنما من زاوية ما تقترحه من إجراءات عملية، وما تخصصه من موارد، وما تحدده من آجال، وكيف تقترح قياس النتائج.
فالمعيار الديمقراطي ليس كثرة الوعود، وإنما قابلية الالتزامات للتحقق والمساءلة.
وبينما تتنافس الأحزاب على أصوات الناخبين في انتخابات 23 شتنبر، تظل الأمازيغية أمام امتحان سياسي جديد هل ستظل عنواناً دستورياً وثقافياً يحضر بقوة في الخطاب، أم ستصبح تدريجياً لغة مؤسسات وخدمات وتعليم وإعلام واقتصاد ورقمنة؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يظل مطروحاً على الأحزاب، وعلى البرلمان المقبل، وعلى الحكومة التي ستتولى تدبير المرحلة القادمة.






