مجتمع وحوداث

روبرت أليكسي: عندما لا يكفي أن يكون القرار قانونيًا.. مدخل بيداغوجي إلى فلسفة الحجاج والحقوق والتناسب والرقابة الدستورية

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

قد تكون أبسط طريقة للدخول إلى عالم الفيلسوف القانوني الألماني روبرت أليكسي (Robert Alexy) هي الانطلاق من سؤال يبدو بسيطًا: هل يكفي أن يصدر القرار عن جهة مختصة، وفق الإجراءات المقررة، حتى يصبح قرارًا صحيحًا لا يحتاج إلى مزيد من التبرير؟ فيكون جواب أليكسي هو: لا ؛ فالقرار قد يكون صادرًا عن السلطة المختصة، وقد يحترم الإجراءات الشكلية، ومع ذلك يبقى من المشروع أن نسأل: لماذا اتُّخذ؟ وبأي حجج؟ وهل كانت الوسيلة المختارة ضرورية؟ وهل كان يمكن تحقيق الغاية نفسها بوسيلة أقل مساسًا بالحقوق؟

من هنا نفهم الخيط الذي يجمع أعمال أليكسي الكبرى؛ فهو لم ينتقل اعتباطًا من الحجاج القانوني إلى الحقوق الأساسية، ثم إلى مفهوم القانون وعلاقته بالأخلاق؛ بل ظل يلاحق سؤالًا واحدًا بصيغ مختلفة: كيف نجعل ممارسة السلطة القانونية قابلة للتبرير العقلاني؟

أولًا: القرار القانوني ليس مجرد تطبيق للنص : 

في كتابه «نظرية الحجاج القانوني» الصادر سنة 1978، يبدأ أليكسي من واقع يعرفه كل ممارس للقانون بأن النصوص لا تقدم دائمًا جوابًا آليًا عن كل قضية ؛ فقد يكون النص غامضًا، وقد تتعدد تأويلاته، وقد تتعارض المصالح والحقوق، وقد يجد القاضي أو المشرع أو صاحب القرار نفسه أمام أكثر من حل ممكن ؛ فماذا نفعل عندما لا يعطينا النص وحده الجواب؟

هنا تظهر وظيفة الحجاج القانوني ،فالقرار لا يصبح عقلانيًا لمجرد أن صاحبه يملك سلطة اتخاذه؛ بل يحتاج إلى أسباب يمكن عرضها ومناقشتها وانتقادها. ولهذا اعتبر أليكسي الحجاج القانوني «حالة خاصة من الخطاب العملي العام»؛ ومعنى ذلك، ببساطة، أن رجل القانون لا يقول فقط: «هذا هو القرار»، وإنما ينبغي أن يستطيع أن يقول أيضًا: «هذه هي الأسباب التي تجعل هذا القرار مبررًا».

ومن هنا تأتي أهمية قواعد مثل عدم التناقض، والاتساق، ووضوح المقدمات، وقابلية الحجج للمناقشة ، وهكذا ننتقل من سلطة القرار إلى سلطة الحجة.

ثانيًا: ليست كل الأحكام القانونية من طبيعة واحدة : 

لكن ماذا يحدث عندما تكون أمامنا حقوق أو مبادئ متعارضة؟

هنا نصل إلى كتاب أليكسي الأشهر في المجال الدستوري: «نظرية الحقوق الأساسية» الصادر سنة 1985 ، حيث يقيم أليكسي تمييزًا أساسيًا بين القواعد والمبادئ ؛ فالقاعدة، متى تحققت شروط تطبيقها ولم يوجد ما يستبعدها، تطبق وفق منطق قريب من «الكل أو لا شيء» ؛ أما المبدأ فطبيعته مختلفة؛ إنه ما يسميه أليكسي «متطلبًا للتحسين»: أي واجب تحقيق قيمة أو حق إلى أقصى درجة تسمح بها الإمكانات القانونية والواقعية ، فلنفترض، مثلًا، أن لدينا من جهة حرية التعبير، ومن جهة أخرى حماية الحياة الخاصة ؛ فلا نستطيع القول إن إحدى القيمتين باطلة لمجرد أنها اصطدمت بالأخرى، فكلتاهما مبدأ دستوري مشروع.

إذن فالسؤال ليس أي المبدأين نلغي؟ بل إلى أي حد يمكن تقييد أحدهما من أجل حماية الآخر؟

وهنا يولد مفهوم الموازنة . 

ثالثًا: الموازنة ليست جبرًا للخواطر : 

قد توحي كلمة «الموازنة» بأن الأمر يتعلق بحل وسطي بأن نعطي لكل طرف شيئًا حتى يرضى الجميع ، غير أن هذا ليس مقصود أليكسي ؛ لأن الموازنة عنده عملية عقلانية ينبغي تبريرها، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بمبدأ التناسب ، والذي يمكن تبسيط اختباره في ثلاثة أسئلة متتابعة: 

أولها: هل الوسيلة ملائمة للغاية؟ فإذا كانت لا تساعد أصلًا على تحقيق الهدف المشروع، فلا مبرر للمساس بالحق.

وثانيها: هل الوسيلة ضرورية؟ فإذا أمكن بلوغ الغاية نفسها بوسيلة أخرى أقل تقييدًا للحق، وجب تفضيلها.

وثالثها، وهو الأصعب: هل حجم التضحية بالحق متناسب مع أهمية المكسب الذي نحققه؟ وهنا تظهر قاعدة أليكسي الشهيرة في الموازنة، ويمكن تبسيط معناها هكذا:كلما اشتد المساس بمبدأ أو حق، وجب أن تكون الأسباب التي تبرر هذا المساس أكثر قوة وأهمية ؛ وبهذا لا يعود السؤال: «هل للسلطة أن تتدخل؟» فقط، وإنما يصبح: هل تستطيع السلطة أن تبرر مقدار تدخلها؟

وهذه نقلة بالغة الأهمية في الرقابة الدستورية.

رابعًا: قد يكون القانون نافذًا ومع ذلك يبقى قابلًا للنقد : 

في كتابه «مفهوم القانون وصلاحيته» الصادر سنة 1992، يوسع أليكسي السؤال ، فهو لا يريد اختزال القانون في مجرد واقعة مؤسساتية: نص صدر عن جهة مختصة، وفق مسطرة معينة، فأصبح نافذًا ؛ فالقانون يحمل، في نظره، ما يسميه «ادعاء الصواب» ، وهذه الفكرة تحتاج إلى شيء من الحذر: لا تعني أن كل قانون صادر هو بالضرورة عادل، بل تعني أن القانون، حين يقدم نفسه باعتباره قانونًا ملزمًا، يدّعي ضمنًا أنه يستطيع تقديم مبررات لصوابه ، ولهذا يصبح من الممكن أن نقول عن قانون ما:

هو موجود ونافذ من الناحية القانونية، ولكن بعض مقتضياته قد تظل محل سؤال دستوري و أخلاقي و حقوقي ، لأن النفاذ شيء، والصواب شيء آخر ؛ وإن الأهم أن التمييز بينهما لا يؤدي بالضرورة إلى إنكار القانون؛ بل يسمح بإخضاعه للنقد بواسطة أدوات القانون نفسه.

خامسًا: للقانون جسد مؤسساتي وضمير معياري : 

يصل هذا المسار إلى درجة أكبر من النضج في كتاب أليكسي «البعد المثالي للقانون» (Law"s Ideal Dimension) الصادر سنة 2021 ، وهنا يتحدث عن الطبيعة المزدوجة للقانون ، فله بعد واقعي أو مؤسساتي: مؤسسات، اختصاصات، إجراءات، قرارات، جزاءات وإكراه ؛ ولكن له أيضًا بعد مثالي أو معياري يرتبط بالصواب والعدالة والتبرير ؛ ولا يستطيع التفكير القانوني، في منظور أليكسي، أن يكتفي بأحد البعدين.

فإذا اكتفينا بالبعد المؤسساتي، تحول القانون إلى مجرد سؤال عن: من يملك سلطة الأمر؟

وإذا أهملنا الواقع المؤسساتي، تحول التفكير القانوني إلى أخلاق مجردة لا تراعي كيفية اشتغال النظام القانوني ؛ فالمطلوب إذن هو إبقاء التوتر المنتج بين الواقع والمثال، والسلطة والحجة، والنفاذ والصواب.

من الحجاج إلى الدستور: خيط واحد يجمع مشروع أليكسي : 

بهذا المعنى يمكن قراءة مشروع أليكسي كله باعتباره مسارًا متدرجًا ، فقد بدأ بسؤال كيف نبرر القرار القانوني؟

ثم انتقل إلى سؤال ماذا نفعل عندما تتعارض الحقوق والمبادئ؟

ثم وصل إلى سؤال أعم: ما الذي يجعل القانون قانونًا، وهل يمكن فصل مشروعيته تمامًا عن مطلب الصواب؟

ولذلك يمكن اختصار البناء النظري كله في سلسلة واحدة:

الحجاج .. المبادئ .. الموازنة ..التناسب .. التعليل .. قابلية القرار للرقابة ؛ وهنا تكمن القيمة البيداغوجية والعملية لفكره ، فأليكسي لا يعلمنا فقط كيف نفهم الدستور، وإنما كيف نسائل القرار ؛ عندما تقيد سلطة ما حقًا أساسيًا، لا يكفي أن تقول إن لها اختصاصًا قانونيًا. نسألها: ما الغاية؟ وما الدليل على ملاءمة الوسيلة؟ وهل توجد وسيلة أقل مساسًا؟ ولماذا تستحق الغاية مقدار التضحية المفروضة على الحق؟

من شرعية القرار إلى شرعية التعليل : 

وهنا ربما تكمن أكثر أفكار أليكسي قابلية للتعميم خارج القضاء الدستوري نفسه ، فالقرار الجماعي أو المؤسساتي قد يكون شرعيًا من حيث مصدره: اتخذته الجهة المختصة، وفق القواعد، وربما بالأغلبية أو حتى بالإجماع ، غير أن ذلك لا يجعل الوسيلة المختارة أبدية؛ فإذا تغيرت الوقائع، أو ارتفعت الكلفة، أو ظهرت وسيلة أقل ضررًا، أو تبين أن الوسيلة لم تعد تحقق الغاية بالفعالية المتوقعة، فإن إعادة فحصها لا تعني بالضرورة التخلي عن المبدأ؛ بل قد تكون هي الوسيلة العقلانية لحمايته ؛ وهكذا يمكن أن نستخلص من أليكسي تمييزًا بالغ الأهمية: الثبات على المبدأ لا يقتضي الثبات الأبدي على الوسيلة؛ فالحقوق والمبادئ تحدد ما ينبغي حمايته، أما الوسائل فتظل خاضعة لاختبارات الملاءمة والضرورة والتناسب ، وهذا هو المعنى الأعمق للانتقال من مجرد شرعية اتخاذ القرار إلى شرعية تعليله واستمرار مبرراته ؛ فالقرار العقلاني ليس القرار الذي لا يتغير، وإنما القرار الذي يستطيع صاحبه أن يجيب، في كل مرحلة، عن سؤال بسيط وصعب في آن واحد: لماذا ما تزال هذه الوسيلة، في هذه الظروف بالذات، هي الوسيلة الأكثر قابلية للتبرير؟

وهنا يغادر أليكسي رفوف فلسفة القانون ليدخل مباشرة إلى قلب ممارسة السلطة والمسؤولية: لا تكفي القدرة على اتخاذ القرار؛ ينبغي امتلاك القدرة على تعليله، وقياس آثاره، ومراجعته عندما تتغير شروط صوابه.

* توفي يوم الخامس من شتنبر 2026 (عزاؤنا واحد ).