إن الناس يفهمون ويستغربون ويتساءلون بصدق: لماذا لا يتفاعل المسؤولون المختصون في الشؤون المالية والترابية تجاه بعض الظواهر الغريبة التي ترتفع وثيرتها قبل سنة تقريبا من إجراء أي استحقاق وخاصة التشريعي حيث توزع الهبات بالملايين وأضعافها، وتنثر الأوراق النقدية فوق رؤوس أشخاص بعينهم، وترمى على رؤوس أفراد الفرق التراثية والفنية، وتبعثر من طرف بعض من يستعدون للترشح ووزير أو وزراء ينتمون لأحزاب معينة والذين يحضرون معهم رؤساء جماعات و..؟
وبموازاة مع ذلك ترتفع المساعدات والهبات تحت مسميات مختلفة منها التدخل في بناء المساجد والمرافق الدينية ودعم المواسم المرتبطة ببعض الأولياء والزوايا و..، ولقاءات مواسم أهل "الرمى". ولابد من التأكيد على أن أصحاب الزوايا وجماعات أهل " الرمى" بريئون من هذه الظاهرة إلى أن ابتلوا بها لتفسد الأجواء الروحية والثقافية والإجتماعية كما كانت تنعقد وتؤطر منذ قرون.
إن كل أشكال الدعم و "الإحسان" لايصح أخلاقيا وشرعيا الجهر والتباهي بهما أمام عامة الناس. إن كانت لله تعالى، لكن الزمان والمكان والموضوع يكشف أن الغاية مفضوحة ومعلومة عند الجميع لما لها من علاقة بالانتخابات التي يجب أن توقر وتؤطر بالدستور في احترام تام للشعب المغربي دون أي تحقير أو تكبر أو استقواء بالمال والمسؤولية تعلق الأمر بالوزراء والمنتخبين، بالمؤسسات التشريعية ورؤساء الجماعات الترابية المتحزبون الذين هم الوجه الثاني لعملة السلطة.
ومما يسجله الدارسون والمختصون في علم الإجتماع والنظم السياسية في علاقة المال وصنف من الأعيان بصناعة المشهد السياسي والحزبي في كل حقبة انتخابية، ذلك لأنهم أصبحوا آليات للتوجيه والتحكم، حيث يلعبون أدوارا في أغلبها غير سليمة تساهم في إجهاض عمليات الإصلاح وتعطيل التنمية والتقدم والرفاه الذي يحلم به الشعب منذ الإستقلال إلى اليوم. كما يرفعون من نسب فقدان الثقة في المسار الديموقراطي، لهذا ولغيره يجب أن "تفطم" أحزاب التحكم بالريع والمال وعشق كراسي الحكومة والعمل على "إعادة تربيتها" على ان تكون مثل الأحزاب الوطنية المستقلة والمرتبطة بالشعب على أن تكون مؤمنة بالديموقراطية الحقة اقتصاديا واجتماعيا وترابيا.
لقد تأسست في الثمانينات جمعيات السهول والوديان والجبال لمزاحمة الأحزاب الوطنية والتقدمية وتقليص آثارها، وبعد أن استنفذت كل طاقاتها وأهدافها تراجعت أدوار وجودها، ليشهد المجتع في العقود الأخيرة اعتماد سياسات حكومية أخرى سعت وأ غرقت المجتمع المدني بجمعيات وفدراليات متعددة الصفات والمهام، موظفة ما سمي بالشراكات مع المجتمع المدني بالجماعات الترابية من جهة، وبرامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرامج بعض القطاعات الحكومية من جهة أخرى، ويكفي إجراء تشخيص من طرف المؤسسات العمومية والدستورية الذين يعهد لهم القيام بمراقبة وتدقيق كل أنواع الدعم والمنح وإبرام الشراكات وخلفيات الشركاء ونتائج هذه البرامج، ومدى تكاملها أو تعارضها مع برامج الجماعات الترابية ومع جودة وصلاحية المنجز.
إن السراب والهلوسة الانتخابية والإحتقان والاحتباس الاجتماعي الذي انتجته السياسات الحكومية التي استهدفت إضعاف الأحزاب والنقابات والقوى الحية والحقوقية، عمدت العديد من الجمعيات والفدراليات إلى القيام ببعض اختصاصات الجماعات الترابية وأخطأ العديد منهم عندما تحولوا فجأة من فاعلين مدنيين لامنتمين، إلى مرشحين ومنتخبين في أحزاب كانت عضوة بحكومات وهذا أدى وسيؤدي إلى إضعاف الثقة في الجمعيات والجماعات كما حصل مع الأحزاب ومع المؤسسات..فما العمل؟
ونقول: "فكها يا من وحلتيها"






