سياسة واقتصاد

من كان في موقع القرار حين كان المواطن يحتاج إلى الفرح ومن كان في موقع المسؤولية حين بدأ القلق؟

حسناء شهابي (كاتبة)

حين يخرج فوزي لقجع، اليوم، ليحمّل حزب التجمع الوطني للأحرار مسؤولية تحويل فرحة عيد الأضحى إلى قلق، فإن المسألة لا تبدو مجرد عتاب سياسي عابر، بل تفتح سؤالاً أعمق حول ذاكرة السياسي وموقعه من المسؤولية. فالرجل الذي ينتقد اليوم الحزب الذي كان بالأمس جزءاً من مساره، قبل أن ينتقل إلى حزب الأصالة والمعاصرة، يجد نفسه أمام مفارقة سياسية تشبه ما سماه جورج سانتيانا، في عبارته الشهيرة، خطر نسيان التاريخ: «من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بتكراره». فالسياسة، مثل التاريخ، لا تعترف كثيراً بمحاولات محو الذاكرة؛ وما كان بالأمس قراراً أو اختياراً أو انتماءً، لا يمكن أن يتحول اليوم إلى صفحة بيضاء بمجرد تغيير القميص الحزبي.


والأكثر إثارة في المشهد أن العيد، بما يحمله من رمزية للفرح والتضامن والطمأنينة، وجد نفسه محاصراً بلغة القلق السياسي. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يمكن لمن كان بالأمس داخل البيت أن يقف اليوم أمام بابه ويقول إن المشكلة كلها في أهل البيت؟ وهل تغيير الانتماء السياسي يغيّر أيضاً موقع الإنسان من المسؤولية التاريخية؟ لقد قال نيتشه إن «من له لماذا يعيش يستطيع أن يتحمل تقريباً أي كيف»، لكن السياسة المغربية تبدو أحياناً منشغلة بالعكس: بكيفية تبرير الحاضر، أكثر من مواجهة لماذا حدث ما حدث. ولذلك فإن الانتقال من حزب إلى آخر لا ينبغي أن يكون انتقالاً من ذاكرة إلى ذاكرة جديدة، وكأن الماضي السياسي يُمحى بمجرد تغيير اللافتة.


إن لقجع، وهو يوجه اللوم إلى حزب الأحرار، يستدعي من دون قصد سؤالاً أكبر من الحزب نفسه: من يتحمل مسؤولية صناعة الأمل، ومن يتحمل مسؤولية صناعة القلق؟ وهل المسؤولية السياسية تُقاس فقط بمن يوجد داخل الحكومة لحظة وقوع الأزمة، أم تمتد إلى كل من كان جزءاً من المشهد وصنع اختياراته وساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تشكيل موازين القوة؟ هنا نستحضر توماس هوبز وفكرته عن العقد والمسؤولية، ونستحضر حنة أرندت التي جعلت من المسؤولية السياسية قضية تتجاوز مجرد النية الفردية؛ فالسياسة ليست فقط ما يقوله السياسي، وإنما أيضاً ما يترتب على الخيارات التي شارك في صناعتها.


لقد كان عيد الأضحى، بالنسبة للمغاربة، أكثر من مناسبة دينية؛ كان لحظة اجتماعية تختبر فيها الدولة قدرتها على حماية القدرة الشرائية وطمأنة الأسر وصون معنى الفرح. وعندما يتحول هذا الفرح إلى قلق، فإن المواطن لا يبحث عن خصومة بين الأحزاب، ولا يعنيه كثيراً من كان عضواً في هذا الحزب أو ذاك، بقدر ما يريد جواباً بسيطاً: من يتحمل المسؤولية؟ ومن كان في موقع القرار؟ ومن يملك اليوم شجاعة الاعتراف بأن السياسة ليست مباراة في تبديل المواقع، بل امتحان دائم للذاكرة والمساءلة؟


ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن السياسة، في كثير من الأحيان، تجعل من الماضي خصماً عندما يكون الماضي غير ملائم، وحليفاً عندما يكون مفيداً. لكن الذاكرة السياسية لا تعمل بهذه الطريقة. فالحزب الذي كان بالأمس فضاءً للانتماء، لا يصبح فجأة مجرد «آخر» بمجرد الانتقال إلى موقع سياسي جديد. وهنا يبدو قول ميشيل فوكو عن السلطة أكثر راهنية: السلطة ليست فقط مؤسسة أو منصباً، بل شبكة من العلاقات والمواقع والخطابات. ومن ثم فإن تبدل الموقع لا يلغي أثر الموقع السابق.


لذلك، ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: من أخطأ في تحويل فرحة العيد إلى قلق؟ بل: #من كان في موقع القرار حين كان المواطن يحتاج إلى الفرح، ومن كان في موقع المسؤولية حين بدأ القلق؟ أما تبادل الاتهامات بين الأمس واليوم، فلن يغير شيئاً من ذاكرة الناس. فالمواطن لا ينسى بسهولة من وعده بالرخاء، ولا من تركه أمام الأسعار والقلق، ولا من عاد إليه لاحقاً ليشرح له أن المسؤولية كانت دائماً عند الآخرين.


السياسة، في النهاية، ليست فن تغيير المقاعد، وإنما فن تحمل تبعات الجلوس عليها. ومن يقرر أن يفتح دفاتر الماضي، عليه أن يكون مستعداً لقراءتها كاملة، لا أن ينتقي منها الصفحات التي تخدم روايته الحالية. فالذاكرة لا ترتدي ألوان الأحزاب، والمسؤولية لا تتغير بتغير القميص، والناس الذين عاشوا القلق في يوم العيد لن تسعفهم كل البلاغات السياسية في استعادة فرحتهم. إن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة ليس أن يختلف السياسيون، بل أن يختلفوا حول من يتحمل المسؤولية، بينما المواطن وحده يتحمل النتيجة.