عندما يتابع شخص عام غربي مشاهد الحشود الغفيرة التي تحاول العبور في هجرة غير نظامية إلى أوروبا عبر سبتة، ويستدعي، في إطار استعارة سينمائية، تشبيهات مثل فيلم World War Z، فإننا نكون أمام صورة تفتح الباب لتأمل أعمق. فالفيلم يصور في جوهره رحلة محقق أممي يجوب العالم بحثاً عن علاج لوباء يهدد البشرية، وسط انهيار المؤسسات وعجز الدول عن احتواء الأزمة.
قد يكون هذا التشبيه انعكاساً لصدمة بصرية أمام تدفق بشري هائل يراه المشاهد من خلف الشاشات مجرد أرقام وحشود متحركة. لكن، كمواطنة وفنانة مغربية، وبغض النظر عن النوايا التي صاحبت هذا التشبيه، لا أستطيع قبول اختزال مأساة إنسانية حقيقية في صورة مستوحاة من فيلم رعب.
فالمغاربة ليسوا كائنات خيالية ممسوخة، بل بشر لهم أسماء وأحلام وعائلات، دفعتهم ظروف معقدة إلى خيارات قاسية. وإذا كان لا بد من استلهام روح السينما، فالأجدر بنا أن نستحضر شجاعة بطل الفيلم في مواجهة الوباء، لا أن نستسلم لسطوة الصورة، بل أن نواجه بشجاعة كل الأوبئة الرمزية والاجتماعية التي تنتقص من كرامة الإنسان.
ويبقى السؤال الجوهري: كيف وصلنا، كأمة تمتلك إرثاً حضارياً عريقاً، إلى مشهد تُعرض فيه أرواح شبابها على الشاشات العالمية وكأنها مشاهد من فيلم هوليوودي؟
من صانعي الحضارة إلى شباب يبحث عن الأمل:
كيف تحولنا، نحن أحفاد أسود الأطلس، وورثة شخصيات صنعت صفحات مشرقة من تاريخ المغرب، أمثال طارق بن زياد، ويوسف بن تاشفين، ومحمد بن عبد الكريم الخطابي، وموحا أوحمو الزياني، إلى شباب يرى في البحر باباً وحيداً للمستقبل؟
وكيف أصبح أبناء وطن أنجب علماء ومفكرين أسهموا في الحضارة الإنسانية، أمثال ابن رشد، وابن خلدون، والزهراوي، يشعرون بأن أحلامهم لا يمكن أن تتحقق إلا خارج حدود وطنهم؟
إن المغرب يمتلك رصيداً حضارياً عريقاً، وكان من أوائل الدول التي اعترفت عملياً باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية عندما أعلن السلطان محمد بن عبد الله سنة 1777 فتح الموانئ المغربية أمام السفن الأمريكية، قبل أن تتوج العلاقات بمعاهدة السلام والصداقة سنة 1786، وهي من أقدم المعاهدات الدبلوماسية التي ما تزال سارية المفعول.
فكيف أصبح بعض شباب هذا الوطن يعتقد أن النجاة لا تكون إلا بالعبور نحو الضفة الأخرى؟
الجذور التاريخية وتراكم التحديات:
إن قراءة منصفة لتاريخ منطقتنا تؤكد أن الأزمات الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تفاعل عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة.
فقد ترك الاستعمار، وما صاحبه من تقسيمات وإعادة تشكيل للبنيات الاقتصادية والاجتماعية، آثاراً عميقة استمرت بعد الاستقلال، إلى جانب تحديات داخلية وإقليمية ودولية تعاقبت عبر العقود، وأسهمت جميعها في تعقيد مسارات التنمية.
وقد أفرز هذا التراكم فجوات اجتماعية ومجالية واسعة، جعلت فئات من الشباب ترى في الهجرة غير النظامية المخرج الوحيد، رغم ما تحمله من مخاطر على حياتهم وكرامتهم.
السياسات العمومية: بين جودة الرؤية وإشكالية التنزيل
حين نتأمل مسار السياسات العمومية، لا نجد أن الإشكال يكمن في غياب التصورات أو الاستراتيجيات، فالمغرب راكم خلال العقود الأخيرة العديد من البرامج والخطط الطموحة.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في مرحلة التنفيذ والتنزيل على أرض الواقع.
فبين النصوص الطموحة والنتائج الملموسة، تظهر تحديات ترتبط بالحكامة والنجاعة والتنسيق، مما يجعل أثر بعض البرامج أقل مما كان مأمولاً.
ومن أبرز هذه التحديات:
تعزيز الالتقائية بين مختلف القطاعات والمؤسسات حتى تصبح التنمية الاقتصادية والاجتماعية جزءاً من رؤية موحدة.
تطوير آليات تقييم السياسات العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة على أساس النتائج والأثر الحقيقي على حياة المواطنين.
تقليص الفوارق المجالية بين المدن والقرى والمناطق الجبلية، حتى يشعر الجميع بثمار التنمية.
جعل تحسين جودة التعليم والصحة وفرص الشغل معياراً أساسياً لقياس نجاح السياسات العمومية.
إصلاح التعليم بوابة العدالة الاجتماعية
يبقى التعليم أحد أهم مفاتيح بناء المستقبل.
فالحاجة اليوم ليست إلى إلغاء التعليم الخاص، بل إلى ضمان خضوعه لضوابط تحقق الجودة وتكافؤ الفرص، مع إعادة الاعتبار الكاملة للمدرسة العمومية والجامعة الوطنية، وتطوير المناهج بما ينسجم مع متطلبات العصر، وترسيخ الرقمنة والعدالة الرقمية بين جميع التلاميذ والطلبة.
فحين يشعر المواطن بأن جودة التعليم الذي يتلقاه أبناؤه لا تحددها القدرة المادية، يصبح الانتماء والثقة في المستقبل أكثر رسوخاً.
كما أن نوع المؤسسة التعليمية أصبح، في كثير من الأحيان، عاملاً مؤثراً في فرص الولوج إلى سوق الشغل، وهو ما يستدعي العمل على تقليص هذه الفجوة بما يعزز تكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن.
وعندما تتسع الفجوة بين مسارات التعليم، قد ينشأ تدريجياً شعور بالانفصال بين بعض النخب وواقع المجتمع، بما قد ينعكس على درجة ارتباطها بقضايا الوطن والأمة، وهو ما يستدعي تعزيز المدرسة العمومية باعتبارها فضاءً جامعاً لبناء المواطنة وتكافؤ الفرص.
المغرب أكبر من أي اختزال
يبقى المغرب، بتاريخه العريق وتنوعه الثقافي وعمقه الحضاري، أكبر من أن تختزله صورة عابرة أو تشبيه سينمائي.
لكن الدفاع عن صورة الوطن لا يتحقق فقط بالاعتراض على النظرة الخارجية، بل يبدأ أيضاً بالشجاعة في ممارسة النقد الذاتي المسؤول، والعمل الجماعي على معالجة الاختلالات التي تدفع بعض شبابنا إلى فقدان الأمل.
فالمسؤولية هنا مسؤولية مشتركة بين الدولة، والمؤسسات، والنخب، والمجتمع المدني، والإعلام، والأسرة، وكل مواطن يؤمن بأن مستقبل الوطن يُبنى بالإصلاح والعمل، لا بالاستسلام لليأس.
ختاماً
إننا نترحم على ضحايا هذا الحدث الأليم، ونسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان.
ولعل هذه المأساة تكون فرصة لمراجعة الذات، وتجديد الإرادة الجماعية، حتى تتحول دموع اليوم إلى دافع لبناء مستقبل يمنح شباب المغرب وإفريقيا أملاً حقيقياً في الحياة الكريمة داخل أوطانهم، ويصون كرامة الإنسان باعتبارها أساس كل تنمية حقيقية.






