قد يكون من السهل اختزال ما وقع في مشاهد لشباب حاولوا الوصول إلى الضفة الأخرى، لكن هذا الاختزال لا يساعد على فهم دلالات الحدث. فالهجرة ليست جديدة، كما أن محاولات العبور نحو سبتة أو مليلية ليست استثناء في التاريخ المعاصر للمغرب. الجديد هو السياق الذي وقع فيه الحدث، وحجم النقاش الذي أثاره، والطريقة التي انتقل بها بسرعة من الفضاء الرقمي إلى قلب الجدل السياسي. وهذا ما يمنحه بعداً يتجاوز المقاربة الأمنية أو الإنسانية، ليصبح جزءاً من السياق الذي ستجري فيه انتخابات 23 شتنبر.
في الأنظمة الديمقراطية، لا تتحرك الحملات الانتخابية داخل فضاء معزول عن المجتمع. بل إن الأحداث الكبرى كثيراً ما تعيد ترتيب أولويات الناخبين، وتجعل قضايا كانت في الهامش تتقدم فجأة إلى واجهة الاهتمام. لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت أحداث سبتة ستغير نتائج الانتخابات بصورة مباشرة، وإنما ما إذا كانت ستغير الطريقة التي سيقيم بها المواطنون أداء الدولة والأحزاب خلال الأسابيع المقبلة.
قبل هذه الأحداث، كان النقاش السياسي يتمحور أساساً حول الملفات الاجتماعية والاقتصادية. كانت القدرة الشرائية، والتشغيل، والتعليم، والصحة، تتصدر خطابات الأحزاب، لأنها تمثل الانشغالات اليومية للمواطنين. لكن الأزمة الأخيرة أدخلت عناصر جديدة إلى المعادلة؛ فالأمن، والهجرة، والسيادة، وحماية الفضاء الرقمي أصبحت بدورها موضوعاً للنقاش، ليس لأنها ألغت أهمية القضايا الاجتماعية، وإنما لأنها كشفت أن هذه القضايا مترابطة، وأن الفصل بينها لم يعد ممكناً.
لقد أظهرت أحداث سبتة أن الدولة لم تعد تواجه تحدياتها عند الحدود فقط، بل داخل الفضاء الرقمي أيضاً، حيث تنتشر الدعوات، وتصنع الروايات، وتتداخل المعلومات الصحيحة مع الأخبار المضللة. ومن هنا يمكن فهم الحرص الرسمي على الحديث عن التحريض الإلكتروني ودور شبكات الهجرة غير النظامية. فالرسالة لم تكن موجهة إلى الرأي العام الوطني وحده، بل حملت أيضاً بعداً سيادياً يؤكد أن حماية الاستقرار أصبحت تبدأ من المجال الرقمي قبل أن تصل إلى الميدان.
غير أن هذا الجانب، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم ما جرى. فالهجرة غير النظامية ليست مجرد خرق للقانون، ولا مجرد نشاط لشبكات إجرامية، بل هي في جانب منها تعبير عن أزمة ثقة يعيشها بعض الشباب في قدرتهم على بناء مستقبل داخل وطنهم. ولهذا فإن أي معالجة سياسية جادة لهذه الأحداث ينبغي أن تجمع بين الحزم في مواجهة شبكات الاستغلال، وبين الاعتراف بأن التنمية تظل خط الدفاع الأول ضد الهجرة، وأن توفير الأمل لا يقل أهمية عن حماية الحدود.
من هنا، تجد الأحزاب السياسية نفسها أمام تحدٍ لم يكن مطروحاً بهذه الحدة قبل أسابيع. فبرامجها الانتخابية مطالبة اليوم بأن تقدم أجوبة أكثر تركيباً، لا أن تكتفي بتعداد الوعود أو استعراض الإنجازات. فالمواطن الذي تابع أحداث سبتة لن يسأل فقط عن فرص الشغل أو مستوى الدخل، بل سيتساءل أيضاً عن قدرة الفاعلين السياسيين على فهم التحولات التي يعرفها المجتمع، وعن رؤيتهم للعلاقة بين الأمن والتنمية، وبين السيادة والعدالة الاجتماعية.
ولا يعني ذلك أن الخريطة الانتخابية ستتغير بالضرورة. فالانتخابات المغربية تحكمها اعتبارات متعددة؛ منها طبيعة التنافس المحلي، وحضور الأعيان، وقوة التنظيمات الحزبية، وأنماط التعبئة داخل كل دائرة انتخابية. كما أن القضايا المعيشية ستظل حاضرة بقوة في قرار الناخب، مهما تصاعد الاهتمام بالملفات الأمنية. لذلك، يبدو أقرب إلى الواقع القول إن أحداث سبتة ستؤثر في أجندة الحملة الانتخابية أكثر مما ستؤثر في نتائجها.
لكن حتى هذا التأثير لا ينبغي التقليل من أهميته. فحين تتغير أجندة النقاش، تتغير معها طبيعة الخطاب السياسي. وستجد الأحزاب نفسها مضطرة إلى تطوير لغتها، وإلى تقديم تصورات أكثر واقعية، لأن الناخب أصبح أكثر حساسية تجاه الأسئلة المرتبطة بالاستقرار والثقة في المؤسسات، من دون أن يتخلى عن مطالبه الاجتماعية والاقتصادية.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات لا تحاسب الحكومات فقط على نجاحاتها الاقتصادية، بل أيضاً على قدرتها على إدارة اللحظات الصعبة. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الكفاءة في تدبير الأزمة عاملاً من عوامل بناء الثقة، كما قد تتحول الأخطاء أو التردد إلى عناصر تؤثر في المزاج العام. وهذا ما يجعل الأسابيع الفاصلة عن موعد الاقتراع ذات أهمية خاصة، لأنها ستكون حاسمة في تشكيل الانطباع الذي سيحمله المواطن إلى صندوق التصويت.
في تقديري، لا تكمن أهمية أحداث سبتة في أنها ستمنح الأفضلية لهذا الحزب أو ذاك، وإنما في أنها أعادت طرح سؤال ظل مؤجلاً لسنوات: كيف يمكن للدولة أن تحافظ على استقرارها، وفي الوقت نفسه تفتح أمام شبابها آفاقاً تجعل الهجرة خياراً أقل جاذبية؟ هذا السؤال لا يهم الحكومة وحدها، ولا يخص المعارضة وحدها، بل يضع الطبقة السياسية بأكملها أمام مسؤوليتها.
وعندما يصل المغاربة إلى موعد 23 شتنبر، سيكونون قد تابعوا ليس فقط الحملات الانتخابية، بل أيضاً الطريقة التي أديرت بها واحدة من أكثر الأزمات حساسية خلال هذه المرحلة. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لن يكون من يرفع الشعارات الأكثر جاذبية، وإنما من يقنع المواطنين بأن لديه تصوراً متماسكاً يربط بين الأمن والتنمية، وبين قوة الدولة وقوة المجتمع.
وربما يكون هذا هو الدرس السياسي الأهم الذي أفرزته أحداث سبتة. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل كذلك بقدرتها على حماية الثقة في المستقبل. وعندما يشعر الشباب بأن وطنهم يمنحهم فرصة حقيقية للحياة الكريمة، يصبح الدفاع عن الاستقرار موقفاً مجتمعياً قبل أن يكون مسؤولية أمنية. أما إذا بقي الإحساس بانسداد الأفق قائماً، فإن الأزمات ستظل تتكرر بأشكال مختلفة، مهما بلغت فعالية التدابير الظرفية.
لهذا، فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 لن تكون مجرد منافسة بين برامج انتخابية، بل ستكون أيضاً مناسبة لاختبار قدرة الفاعلين السياسيين على قراءة التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي. فالانتخابات، في النهاية، لا تكافئ من يصف الواقع بدقة، وإنما من ينجح في تقديم رؤية تجعل المواطنين أكثر اطمئناناً إلى مستقبلهم، وأكثر ثقة في مؤسساتهم، وأكثر اقتناعاً بأن الإصلاح والاستقرار ليسا مسارين متوازيين، بل مشروعاً سياسياً واحداً.






