الخطيئة الأولى: الاستثمار في الغضب؛ اعتقادًا بأنّ الغضب آلية ضرورية للتعبئة. والحال أنّ الغضب كسائر الانفعالات، يشتعل بسرعة وينطفئ بسرعة. لذلك، الموقف القائم على الغضب لا يدوم. أما الموقف الذي يدوم فهو القائم على الفهم.
الخطيئة الثانية: مساندة بعض الأنظمة الشمولية بدعوى أولوية مناهضة الإمبريالية. وهكذا يغدو الموقف من الديمقراطية والحريات الفردية موقفًا ظرفيًّا لا مبدئيًّا: لا نطالب المستبد بالحرية إلّا حين لا يقول ما نودّ سماعه.
الخطيئة الثالثة: الوقوع في الإغراء الأصولي، تارةً باسم الثورة، وتارةً باسم فلسطين. والحال أن الإيديولوجيات المغلقة تُضعف الذكاء العمومي، ومن ثمّ تعيد إنتاج الهزيمة ولو بعد حين.
الخطيئة الرابعة: النزعة الشعاراتية. فالشعار ليس إجابة، بل اختزال للسؤال؛ اختزال يريح لأنه يعفي من التفكير، لكنه يشلّ القدرة على النظر في التفاصيل التي تجعل الممكن ممكنًا بالفعل: القوانين، والآليات، والتمويل، والكلفة، والبدائل.
الخطيئة الخامسة: الإغراء الخلاصي، أي الاعتقاد بوجود وصفة سحرية تحقق الخلاص دفعةً واحدة. والحال أن السياسة ليست خلاصًا، بل إصلاحا متدرجا لا ينتهي. ومن يَعِد الناس بالفردوس على الأرض قلّما يتردد في تبرير الجحيم باسمه.
لعله لم يقدّم تيار في التاريخ من التضحيات ما قدّمه الشيوعيون: في إندونيسيا ذُبح مئات الآلاف ورُميت جثثهم في الأنهار والآبار المهجورة؛ وفي الأرجنتين وتشيلي أُلقي المناضلون أحياءً من الطائرات في عرض المحيط؛ وفي العراق والسودان وإيران سيق الشيوعيون إلى المشانق. لذلك أقول: لو كان التاريخ يُصنع بالتضحيات وحدها، لَكان الشيوعيون سادة العالم اليوم. ومع ذلك، لو كانوا كذلك فلا ندري: أهي جنة موعودة، أم خيبة بحجم الجحيم؟
علينا أن نتخلص من الرؤية الهيجلية المأساوية، التي ترى في التاريخ مذبحًا تُقدَّم عليه سعادةُ الشعوب وحكمةُ الدول وفضيلةُ الأفراد قرابين، وترى في الألم ثمنًا يُشترى به المستقبل. ففي هذه الرؤية يشتغل ما سماه هيجل «مكر العقل»؛ حيث يستدرج التاريخُ ضحاياه إلى مذبحه، ثم يمضي إلى غايته من دون أن يلتفت إليهم. ويا لها من مأساة!
والحال أن التاريخ لا يطلب الدماء (وهي حقيقة فهمها غاندي، ومارتن لوثر كينغ، وجودت سعيد، وآخرون ليسوا كثيرين للأسف). فالتاريخ ليس مصرفًا يودع فيه الدم ليُستردَّ لاحقًا بفوائده حريةً وعدلًا؛ والتضحيات لا تتراكم كما تتراكم رؤوس الأموال، ولا تتحول من تلقاء نفسها إلى مكاسب سياسية.
ولهذا كان تمجيد التضحية بوصفها قيمةً في ذاتها هو الوجه اللاأخلاقي للإغراء الخلاصي: فهو يحوّل السياسة من فنٍّ لتقليل الآلام إلى طقسٍ لتقديسها. أما الرؤية البديلة فبسيطة: التاريخ لا يتقدم بمن يتألم أكثر، بل بمن يفهم أكثر؛ والمعيار الحقيقي لنجاح أي حركة ليس حجم ما بذلته من دماء، بل حجم ما وفّرته منها.






