رأي

جواد مامون: مكانة الأستاذ الجامعي ورسالته.. إشادة بعطاء يصنع العقول ويسكن وجدان الأمة

تظل الجامعة تلك المنارة الشامخة التي تبدد ظلمات الجهل، والفضاء المعرفي الأول الذي تصاغ فيه ملامح المستقبل الحضاري للأمم ومخططاتها التنموية الشاملة. ولا يمكن لهذه المؤسسة العريقة أن تؤدي رسالتها النبيلة دون ركيزتها الصلبة المتمثلة في الأستاذ الجامعي، ذلك المربي الفاضل والمفكر المبدع الذي يجمع بين غزارة العلم وعمق العطاء؛ إذ يتجاوز بجهده الصادق حدود التلقين الروتيني إلى آفاق صناعة الوعي وبناء الشخصية الإنسانية المتكاملة، لاسيما عبر تقلده وإدارته لمجموعة من مناصب المسؤولية الأكاديمية والتدبيرية داخل صرح الجامعة وخارجه.

وفي هذا السياق، وجب أن نقف وقفة إجلال وإشادة بالغة بعطاء هؤلاء الأساتذة الأجلاء داخل رحاب الجامعة المغربية، الذين يبذلون الغالي والنفيس في المدرجات ومختبرات البحث العلمي رغم التحديات اللوجستية والإكراهات المتعددة. ورغم وجود بعض التجاوزات الفردية النادرة التي لا يخلو منها أي قطاع أو مهنة في شتى دول العالم، فإن هذه الحالات المعزولة لا يمكنها أبدا حجب التضحيات الجسام للسواد الأعظم من الأكاديميين؛ فهم يمثلون صمام الأمان الفكري للأجيال الصاعدة، والمدافع الأول بكل موضوعية وحياد عن الوطن ومؤسساته وثوابته الراسخة، مستحقين بذلك أرفع آيات التقدير والثناء على أدوارهم الطلائعية في تخريج الكفاءات والنخب التي تقود المجتمع.

إن هذه التضحيات الأكاديمية والوطنية اللامشروطة تفرض التزاما مجتمعيا ومؤسساتيا ثابتا بصون كرامة الأستاذ الجامعي ودعم مكانته الاعتبارية والمادية بما يليق بسمو رسالته الإنسانية. فالاستثمار الحقيقي في النهضة المعاصرة يبدأ من تعزيز آليات البحث العلمي وتوفير بيئة جامعية حاضنة ومحفزة تتيح لهؤلاء العلماء مواصلة العطاء المعرفي بكل أريحية، لتبقى الجامعة على الدوام حصنا منيعا للفكر الحر، ومنبعا لا ينضب للقيم والابتكار والريادة والمواطنة الحقة.