فن وإعلام

نعيمة سميح بين صدق الموهبة وإنسانية الصوت

​عبد الرحيم شراد

لعل أعظم ما حققته المطربة الراحلة نعيمة سميح رحمها الله هو أنها لم تجعل المستمع يعجب بصوتها فحسب، بل جعلته يشعر بأعلى درجات التأثر بما تغنيه من كلمات. نعيمة، كنت دائماً أسميها "بنت الدرب"، أقصد درب السلطان بالدار البيضاء. كلانا ننتمي لنفس الحي. كنت دائماً أعتبر تجربتها في الغناء شاهداً على أن الأغنية الخالدة لا تولد من اتساع الطبقات الصوتية، بقدر ما تولد من لقاء نادر بين الموهبة والصدق وبين البحة التي تمنح النبرة إنسانيتها، وهكذا وجدت في أغنياتها الرائعة: "جريت وجاريت، البحارة، أمري لله، غاب عليا لهلال، هذا حالي.." شجناً يمنحها الخلود، ويسمو بها إلى مدارج الروح المغربية التي جعلت من صوت نعيمة سميح أحد أكثر الأصوات رسوخاً في الذاكرة. حيث لم يكن يكتفي ببلوغ أذن المستمع، بل يمضي مباشرة إلى تلك المنطقة الخفية من ذواتنا حيث يستقر الحنين وكل الذكريات التي عشناها. إن أقوى ما شدنا إلى صوت نعيمة منذ ظهورها في برنامج مواهب الذي كان يعده ويشرف عليه الموسيقار الراحل الأستاذ عبد النبي الجيراري رحمه الله، هو تلك البحة. إذ لم نَرَها يوماً عيباً في خامة نعيمة سميح الصوتية، بل كنا نعتبرها سرها الأكثر سحراً وفتنة. وما أروعها وأجملها من بحة تضفي على نبرة الصوت مسحة من النضج الإنساني وتمنح الأداء بصمته المغربية التي لم تصنعها أقسام الكونسيرفاتوار ولا مناهج الصولفيج. بحة خاصة لن تتكرر أبداً. لهذا عشقنا نعيمة سميح منذ أول ظهور وأول إطلالة؛ حيث وجدنا في أسلوبها في الغناء دفء الأداء ووقار الإلقاء وروعة العذوبة الممزوجة بعزة النفس، وكثيراً من الكبرياء حتى في أقوى لحظات الانكسار والإحساس بالشجن.