مجتمع وحوداث

القيود التي تكبلنا

إدريس الفينة (باحث - خبير في الاقتصاد الجيوسياسي)

لماذا ينجح آلاف المغاربة في الخارج أكثر مما ينجحون داخل وطنهم؟ لماذا يتحول المغربي، بمجرد الهجرة، إلى فرد أكثر إنتاجية وانضباطاً وابتكاراً؟ الجواب، في اعتقادي، لا يكمن في اختلاف الذكاء أو الكفاءة، بل في اختلاف البيئة التي يعمل داخلها.

فالمشكل الحقيقي ليس في الإنسان المغربي، وإنما في منظومة من القيود ترافقه منذ الطفولة إلى الكهولة. تبدأ داخل الأسرة، حيث تُربى أجيال كثيرة على الطاعة أكثر من المبادرة، ثم تستمر في مدرسة ما زالت تعطي الأولوية للحفظ بدل التفكير النقدي والإبداع. وبعدها يواجه الفرد ضغطاً اجتماعياً يجعله يخشى نظرة الآخرين أكثر من خوفه من الفشل نفسه.

وتتعمق هذه القيود مع تفاوت الفرص بين المدينة والبادية، وضعف جودة الخدمات العمومية، وتعقيد الإدارة، وغموض العلاقة بين الجهد والمكافأة، وهيمنة ثقافة لا تتسامح مع الخطأ ولا تشجع المبادرة. كما يؤدي ضعف الثقة في المؤسسات، وسيطرة الهرمية داخل الإدارات والمقاولات، إلى استنزاف طاقات الأفراد بدل توجيهها نحو الإنتاج والابتكار.

وعندما يهاجر المغربي، تتحرر قدراته من جزء كبير من هذه القيود. يجد إدارة أكثر فعالية، وسوق شغل يكافئ الأداء، ومؤسسات تحترم الوقت، وقوانين تطبق على الجميع، وبيئة تسمح له بالتعلم من الفشل وإعادة المحاولة. لذلك لا يتغير الإنسان، بل تتغير الظروف التي يعمل فيها.

إن التنمية الحقيقية لا تقتصر على بناء الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، بل تبدأ بتحرير الإنسان من القيود التي تعطل إمكاناته. إصلاح المدرسة، وتبسيط الإدارة، وربط المسؤولية بالكفاءة، وتقليص الفوارق المجالية، وترسيخ دولة القانون، وتشجيع المبادرة، كلها إصلاحات تجعل النجاح داخل المغرب هو القاعدة لا الاستثناء.

فالمغربي أثبت في كل أنحاء العالم أنه قادر على المنافسة عندما تتوفر له البيئة المناسبة. والتحدي اليوم هو أن نصنع هذه البيئة داخل وطنه، حتى تصبح الهجرة خياراً لا ضرورة.