سياسة واقتصاد

يا اخنوش خذ الحكمة من والي بنك المغرب

إدريس الأندلسي

مؤشرات ماكرو اقتصادية بملايير و توازنات محاسباتية و تأثير اقتصادي و اجتماعي بأرقام متواضعة 

حين يتكلم عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، يرمي وراءه كل الخطابات السياساوية ، و لا تهمه الحملات الانتخابية السابقة لأوانها. و يجب اخبار من لا يعلم أن هذا الوالي المالي و الاقتصادي كان من الأطر الاتحادية ذات الحضور الفاعل خلال الستينيات. و قد كان ضمن القيادة الثلاثية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب التي ضمت وزير العدل الراحل بوزوبع و المندوب السامي السابق المندوبية السامية للتخطيط، أحمد الحليمي. فهو لا يتكلم لغة أرقام ماكرو اقتصادية جوفاء، و لكن يجعلها تنطق بالمسافات التي تبعد الإنجاز المحقق على صعيد المؤشرات المالية عن ترجمة هذا الإنجاز إلى صانع لمناصب الشغل و فاعل في مستوى الناتج الداخلي الإجمالي، و خصوصا في التأثير على التفاوتات الاجتماعية و المجالية و تلك التي تضمن عدم تعميق الهوة بين فئة قليلة من ذوي الثروات و تلك التي تزيد هشاشتها من سنة إلى اخرى. 

وقف والي بنك المغرب أمام ملك البلاد، الذي عود المغاربة على اسماع المواطنين ما يقوله بنك المغرب منذ تولى الجواهري مسؤولية هذه المؤسسة العريقة. و لا يجب أن ننسى أن كل خطابات العرش تضمنت فقرات صريحة حول الهشاشة الاجتماعية ، و حول الفوارق الاجتماعية و المجالية، و حول ضعف اسهام القطاع الخاص في الاستثمار المنتج للقيم المضافة التي ترفع معدلات نمو الناتج الداخلي الإجمالي. و يجب التذكير أن من يستحوذون على الثروة هم ، في الغالب، اؤلءك الذين يستفيدون من الصفقات العمومية ( الميزانية العامة و المؤسسات و المقاولات العمومية و المجالس الترابية) و التي يصل مبلغها خلال السنوات الأخيرة حوالي 310 مليار درهم. و تزداد قيمة الإستفادة من المال العام في مجال المنح الموجهة لدعم الاستثمار، و تسخير العقار العمومي بالإضافة إلى الحوافز الضريبية التي يخصص لها تقرير يصاحب مشاريع قوانين المالية. و لن نجد أي تقرير تقييمي لكرم المال العام و ربطه بالالتزامات التي تضمها تقارير اللجان الخاصة بالمصادقة على المشاريع ، و التي يتراسها رئيس الحكومة. نحاسب ذلك الفقير الذي استعمل هاتفه من أجل حاجة ملحة، و نصل إلى تجميد معونة لا تتعدى بضع مئات من الدراهم، و نتناسى محاسبة من يستفيدون من الملايير، و المتمكنين من القرار السياسي الذي لا يخاف من عواقب تضارب المصالح .

 و سيظل السؤال الأكبر يتعلق بمعادلة ضعف الاستثمار الخاص مقابل الأرباح السنوية الكبرى للقطاعات المالية و الاقتصادية . و بالرجوع إلى أرباح هذه القطاعات سنة 2025 ، يتبين أن القطاع البنكي و المالي حقق حوالي 20 مليار درهم مستفيدا من أكثر من 1230 مليار كإجمالي قروض، و ودائع وصلت إلى حوالي 1400 مليار درهم. و قد استفاد هذا القطاع من تمويلات بسعر فائدة أساسي لم يتجاوز 2,5%, و تراجع تكلفة المخاطر بحوالي 25%. و استفاد قطاع الاتصالات و قطاع التعدين و الخدمات اللوجستية من أرباح كبرى لم تحققها قطاعات مثل الفلاحة و الصناعة رغم الدعم المقدم منذ عشرات السنين لهذين القطاعين عبر المغرب الأخضر و التسريع الصناعي. و لا يوجد أي تقرير رسمي يضع الاصبع على مكامن و أسباب غياب النتائج، من خلال تقييم موضوعي. و لهذا قال حكيم بنك المغرب أن آثار السياسات العمومية لم تترجم المجهود الاستثماري العمومي إلى فتح طريق تؤدي إلى ولوج بلادنا إلى مصاف الاقتصادات الصاعدة. و لهذا ازدادت الهوة الاجتماعية عبر تضخم حقيقي، غير ذلك الذي لا يهتم بسعر الموارد الغذائية و الولوج إلى الخدمات ، و يهتم بإغراق مقاييس التضخم بأكثر من 800 خدمة و منتوج و سلعة. 

قد ننتقد بعض مواقف و قراءات والي بنك المغرب، و التي تدفعه ، في بعض الأحيان، إلى تبني مواقف المؤسسات المالية الدولية التي أخطئت في تبني سياسات تقنوقراطية و مدمنة على قواعد ليبيرالية لا علاقة لها بالقواعد التي تتحكم في القرار المالي و الاقتصادي العالمي. قال الجواهري أمام ملك البلاد أن هناك تأخر كبير في إنجاز الإصلاحات التي تتعلق بأنظمة للتقاعد، و القانون التنظيمي المالية و الاهتمام بتنزيل التوجيه الملكي بالمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية. و يظهر بجلاء و وضوح أن المعطيات الجيوسياسية تحتم تعاملا عقلانيا مع هذا الموضوع. و قد نسمع لكثير من الخطابات التي يتغنى من خلالها بعض اليافعين في مجال السياسة بإنجازات يتصورن أنها حقيقية. تشبت هؤلاء أن البطالة يتم تهويل حجمها. يجيب والي بنك المغرب أنها تجاوزات أكثر من 13%. وصل الوهم السياساوي إلى تأكيد وزيرة التعمير و الإسكان، و زعيمة الأصالة والمعاصرة أن أغلب الشباب الذين تقل اعمارهم عن 30سنة يمتلكون سكنا بفضل دعم الحكومة. و لا يمكن لأي مواطن إلا أن يصدق كلام الوزيرة، العمدة، رئيسة الحزب، و يتمنى أن يكون واقعا معيشيا. لكن الخرافة تظل جميلة ما دامت تنتمي إلى الخيال. أما واقع الشباب، فمثله مثل ذلك الكائن الاسطوري " سيزيف" الذي يواصل تحمل وزن صخرة كبيرة ليضعها في قمة جبل و، و يعيد المحاولات بإيمان كبير، و بدون الانتباه إلى إستحالة تحقيق حلمه. نطق حكيم المالية و الاقتصاد، و بالصواب قد نطق. فماذا ستقول الحكومة بأحزابها غير المنسجمة. هم اليوم ينتظرون بداية رسمية للتطاحن فيما بينهم . سيكذبون على المواطن، و سيقولون له انهم عازمون على محاربة البطالة و دعم الحماية الاجتماعية و تحقيق كل الوعود التي التزموا بها منذ خمس سنوات. سيتجاهلون أسباب هيمنة الشناقة على كل القطاعات، سيدافعون عن الفاسدين الذين ينتمون لأحزابهم، و سيملؤون القاعات، و يطعمون من حضر بكرم يتجدد كل خمس سنوات. هذا واقع فساد الحياة السياسية ببلادنا. و سيظل كلام والي بنك المغرب بالنسبة لهم ، مجرد لحظة عابرة. و قد تصنع اغلبيات بنسبة مشاركة لا و لن تتجاوز 10% خلال الانتخابات المقبلة في غياب عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل يومي و صارم.