أزمة السياسة تسبق أزمة احزاب في مجتمعاتنا، وهي أزمةٌ أعمق وأشد خطراً، أزمة السياسة تعني أزمة الإنسان نفسه. فليس أخطر من انهيار منظومة التعليم إلا انهيار منظومة القيم والأخلاق والمثل العليا، لأن سقوط هذه الأخيرة يعني سقوط المعايير التي تُبنى عليها المجتمعات السليمة. وعندما تفسد البوصلة الأخلاقية، يصبح الفساد ظاهرة عابرة لكل المجالات، في السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة، ويتحول من استثناء يُحارب إلى قاعدة يتعايش معها.
إن المعضلة الحقيقية ليست في الأحزاب ولا في الانتخابات،فهذه ليست سوى آليات ديمقراطية ضرورية لتنظيم الاختلاف وتدبير الشأن العام ومراقبته. فلا ديمقراطية بلا انتخابات، ولا حياة سياسية حديثة بلا أحزاب. لكن هذه الآليات لا تعمل في الفراغ، بل هي مرآة تعكس حال المجتمع، فإن صلح المجتمع صلحت أدواته ومؤسساته، وأنتج أحزاباً جادة وانتخابات نزيهة ونخباً مسؤولة، وإن فسد المجتمع أفسد كل ما ينتجه، مهما كانت النصوص القانونية متقدمة ومهما كانت الشعارات براقة.
إن من يحمل الأحزاب وحدها مسؤولية أعطاب المجتمع يشبه من يكسر المرآة لأنه لم يعجبه ما رآه فيها. فالأحزاب ليست سوى أحد تجليات المجتمع، والانتخابات ليست إلا وسيلة للتعبير عن اختياراته. لذلك، فإن معركة الإصلاح تبدأ من المدرسة والأسرة والفضاء العام، ومن إعادة الاعتبار لقيم النزاهة والكفاءة والصدق والمسؤولية والمواطنة. فحين ينهار التعليم، تُصاب العقول بالعطب، وحين تنهار القيم تُصاب الضمائر بالخراب، وحين يجتمع العطب والخراب لا يعود الفساد مجرد سلوك فردي، بل يصبح ثقافة عامةً تُنتج فساد السياسة كما تُنتج فساد المجتمع.
ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية.فالسياسة ليست إلا الابن الشرعي لمجتمعه؛ إن كان المجتمع سليماً أنجب سياسة سليمة، وإن كان مريضاً فلن تكون السياسة سوى أحد أعراض مرضه.






