سياسة واقتصاد

تبون… ورأوف والآخرون

عبد الرفيع حمضي

قد يخطئ مشجع في ملعب، وقد يتشاجر آخر في مدرج، وقد يتعرض ثالث لموقف عابر. هذه وقائع مألوفة في الملاعب، تعالجها القوانين، وتنتهي حيث يجب أن تنتهي. لكنها لا تتحول، أبدا، إلى ملفات تتابع على أعلى مستوى في الدولة.

من هنا تبدأ قصة رأوف ووسيم . لا بسبب ما فعله الأول أو ما وقع للثاني، بل لأن رئيس الجمهورية الجزائرية اختار أن يمنحهما اهتماما رئاسيا، وكأن الأمر يتعلق بقضية دولة لا بحادثين فرديين.

رأوف، المشجع الجزائري الذي تبول علنا في مدرج خلال كأس إفريقيا، ارتكب سلوكا مشينا يعاقب عليه القانون. فتم توقيفه، ومثل أمام القضاء ، ونفذ العقوبة التي صدرت في حقه، ثم عاد إلى بلده، وانتهت القضية.

وبعد ذلك جاء الدور على وسيم، الطفل الأمريكي من أصل جزائري، الذي وجد نفسه في قلب حادث بالولايات المتحدة على هامش منافسة رياضية. وحتى بافتراض تعرضه لتجاوز ما، فإن الأمر يظل حادثا فرديا وقع داخل دولة ذات سيادة، ولم تثبت الوقائع أنه كان مستهدفا بسبب القميص الجزائري، بل إن المقاطع المتداولة أظهرت أيضا شبابا مغاربة تدخلوا لاحتواء الموقف ومساندته.

المشكل، إذن، ليس في رأوف ولا في وسيم ، بل في السؤال الذي يطرحانه: متى تصبح الوقائع الفردية من اختصاص رئيس الدولة؟

في الدول الحديثة، توجد مؤسسات لهذا الغرض. فالقضاء يعالج المخالفات، والأجهزة الدبلوماسية تتابع أوضاع المواطنين في الخارج، والإدارات المختصة تتكفل بما يدخل في نطاق مسؤولياتها. أما رئيس الدولة، فوظيفته أن يقود السياسات الكبرى، وأن يحدد الاتجاه العام، وأن ينشغل بما يصنع مستقبل بلده.

وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحا. فإذا كان رئيس الدولة حريصا على مواطنيه، فإن الجزائر نفسها لا تنقصها الملفات التي تستحق انشغاله اليومي. فمن تنويع الاقتصاد، وخلق فرص الشغل، والارتقاء بالتعليم والبحث العلمي، وتعزيز جاذبية الاستثمار، إلى تحسين مؤشرات التنمية، كلها قضايا تمس حياة ملايين الجزائريين مباشرة. كما أن الشباب الجزائري لا يخفي، منذ عقود ، تطلعه إلى مستقبل أفضل داخل وطنه، حتى أصبح حلم الهجرة حاضرا بقوة في جزء من النقاش العام، وردد الجيل الجديد في الساحات العامة بصوت واحد " إذا الشباب يوما أراد الحياة فلابد ان يهاجر" . تلك هي الملفات التي ينتظر المواطن الجزائري أن تحظى بالأولوية، لأنها هي التي تصنع مستقبل الدول، لا الحوادث الفردية التي تظل، مهما تضخمت، مجرد وقائع عابرة.

وطبعا ما يثير الانتباه أكثر أن هذا الاهتمام الاستثنائي لا يظهر إلا عندما يكون المغرب حاضرا، ولو بصورة غير مباشرة. وهنا لا يعود الأمر مجرد متابعة لشؤون مواطن، بل يصبح مؤشرا على أن الحساسية تجاه كل ما هو مغربي تؤثر في ترتيب الأولويات. وبالتالي لا تصبح القضية في حجم الحادثة، بل في الطريقة التي تقرأ بها الأحداث.

لا أحد يلوم رأوف، ولا أحد يلوم وسيم . فالشباب يخطئون، ويتصرفون أحيانا تحت تأثير الحماس والانفعال، وهذا يحدث في كل الملاعب. لكن الدول لا تدار بانفعالات المدرجات، ولا تبنى أولوياتها على وقائع معزولة .

وبين ما يقال وما لا يقال… تبقى قيمة رئيس الدولة فيما يختار أن ينشغل به، لا فيما ينجح في تضخيمه.