مجتمع وحوداث

حين ينام الوطن مطمئنا... هناك من يكتب الفجر بعيون لا تنام

خالد أخازي ( روائي وإعلامي مستقل )

ليست كل الانتصارات تُقاس بعدد الأهداف، ولا كل البطولات تُرفع فوق منصات التتويج. فهناك انتصارات لا يراها الجمهور، ولا تلتقطها عدسات الكاميرات، ولا تصاحبها هتافات المدرجات. انتصارات تُصنع في صمت، ويُكتب مجدها بأقدام ثابتة وعيون لا تعرف النوم، وأرواح اختارت أن يكون الوطن قبل الذات، وأن تكون سلامة الناس قبل راحتها.

حين يخرج المغاربة إلى الشوارع بعد انتصار للمنتخب الوطني، لا يسألون عن اختلافاتهم. تذوب الأسماء الصغيرة في الاسم الكبير: المغرب. ترتفع الأعلام، وتتعانق الحناجر، وتتحول المدن إلى قصيدة جماعية، يكتبها الأطفال قبل الكبار، وتغنيها الشرفات قبل الساحات. يصبح الوطن، للحظات نادرة، قلبًا واحدًا يخفق بإيقاع الفرح.

وأنت تتابع مباراة المنتخب الوطني، مشدود الأعصاب، تحبس أنفاسك مع كل هجمة، وتقفز من مكانك مع كل هدف، قد لا يخطر ببالك أن هناك من لا يملك رفاهية الانشغال بالمباراة. هناك من يتابع مباراة أخرى، أكثر قسوة، لا تُلعب فوق العشب الأخضر، بل في الشوارع، وعلى الحدود، وفي غرف التحليل، وخلف الشاشات، وفي الميدان.

وأنت تصرخ من نافذتك، أو تلوح بالعلم المغربي من شرفتك، أو تجلس في مقهى مكتظ بالجماهير، أو تخرج بعد صافرة النهاية لتشارك آلاف المواطنين فرحتهم حتى ساعات الفجر، هناك رجال ونساء ينتشرون في كل مكان. لا يرفعون الأعلام، لأن أيديهم مشغولة بحماية من يرفعها. لا يركضون خلف الكرة، بل يركضون خلف أمن الناس وسلامتهم. لا يبحثون عن صورة تذكارية، لأن أجمل صورة بالنسبة إليهم هي أن يعود الجميع إلى بيوتهم سالمين.

ذلك هو رجل الأمن... وتلك هي امرأة الأمن.ليسوا مجرد زي رسمي، ولا مجرد دوريات تجوب الشوارع، ولا مجرد تعليمات تُنفذ. إنهم جزء من الذاكرة اليومية لهذا الوطن. يسبقون الخطر قبل أن يصل، ويواجهون الفوضى قبل أن تكبر، ويقفون حيث يهرب الآخرون.

وفي كل مناسبة وطنية كبرى، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح. فبينما يفرح الناس، يكون رجال ونساء الأمن منشغلين بتنظيم الفرح نفسه، حتى لا يتحول إلى فوضى، وحتى يبقى الاحتفال عنوانًا للحضارة والانتماء.

لكن خلف هذا المشهد الظاهر، يوجد مشهد آخر أكثر تعقيدًا، وأكثر صمتًا.

هناك رجال ونساء يعملون بعيدًا عن الأضواء، في معركة لا تعترف بالاستعراض. معركة الذكاء، واليقظة، والاستباق، وحماية الوطن من أخطار لا يراها المواطن العادي، لأنها تُهزم قبل أن تصبح واقعًا.

ولذلك لم يكن الإعلان عن إحباط مخطط إرهابي في مرحلة متقدمة من الإعداد مجرد خبر أمني عابر، بل كان تذكيرًا بأن الوطن الذي نحتفل فيه بحرية، ونختلف فيه بحرية، ونفرح فيه بحرية، ليس وطنًا تُصنع طمأنينته بالمصادفة، وإنما بيقظة مؤسسات جعلت من حماية الإنسان والوطن رسالة لا تعرف التردد.

لقد أعلنت السلطات الأمنية عن توقيف عشرة مشتبه فيهم في عمليات متزامنة بعدد من المدن المغربية، وكشفت عن معطيات تفيد بارتباط الخلية بدعم لوجستي من فرع تنظيم داعش بمنطقة الساحل، مع ضبط ورشة ومعدات كانت معدة لخدمة مشروع إرهابي. لم يكن الخبر دعوة للخوف، بل رسالة ثقة في قدرة الدولة على الاستباق، وفي كفاءة مؤسساتها الأمنية، وفي أن يقظة رجالها ونسائها سبقت يد الجريمة إلى التنفيذ.

وهنا تتجلى قيمة المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ليس فقط باعتبارهما مؤسستين أمنيتين، وإنما باعتبارهما ركيزتين من ركائز الدولة الحديثة، حيث يتحول العمل المهني الدقيق، والتنسيق المحكم، والاستثمار في العنصر البشري والتكنولوجيا، إلى جدار صلب يحمي الوطن من التهديدات، ويحفظ للمواطن حقه في الحياة الآمنة.

إن الأمن، في معناه العميق، ليس غياب الجريمة فقط، بل حضور الطمأنينة. أن يذهب الطفل إلى مدرسته دون خوف، وأن تسافر الأسرة مطمئنة، وأن تمتلئ الملاعب بالجماهير، وأن تبقى المقاهي والساحات فضاءات للفرح لا مسارح للرعب.

ولذلك فإن رجل الأمن لا يحرس شارعًا فقط، بل يحرس إمكانية الحياة نفسها. يحرس حق الناس في أن يضحكوا، وأن يحتفلوا، وأن يحلموا، وأن يختلفوا، وأن يبنوا مستقبلهم فوق أرض مستقرة.

إن الإرهاب لا يستهدف الأبنية وحدها، بل يستهدف الروح الجماعية للأوطان. يريد أن يزرع الشك مكان الثقة، والخوف مكان الفرح، والعزلة مكان الاجتماع، واليأس مكان الأمل. ولهذا فإن كل مخطط يُحبط قبل تنفيذه هو انتصار للحياة، قبل أن يكون انتصارًا أمنيًا.

وإذا كان لاعبو المنتخب الوطني يكتبون أمجاد المغرب فوق المستطيل الأخضر، فإن رجال ونساء الأمن الوطني، ورجال ونساء المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، يكتبون أمجادًا أخرى، لا تقل عظمة، لأنها تُكتب في صمت، ولا تظهر إلا حين ندرك حجم الكارثة التي لم تقع.

إن الوطنية ليست شعارًا يُردد في المناسبات، بل مسؤولية يتقاسمها الجميع. اللاعب الذي يقاتل من أجل القميص الوطني، والطبيب الذي يسهر على المرضى، والمعلم الذي يصنع العقول، والصحفي الذي يدافع عن الحقيقة، والجندي الذي يحرس الحدود، ورجل الأمن الذي يحمي الأرواح... جميعهم ينسجون خيوط العلم المغربي بخيوط الواجب والإخلاص.

سلام على كل عين رفضت النوم ليبقى المغرب مطمئنًا.

سلام على كل يد امتدت لتحمي قبل أن تمتد لتعاقب.

سلام على كل رجل وكل امرأة في مؤسساتنا الأمنية جعلوا من الانضباط شرفًا، ومن اليقظة عقيدة، ومن خدمة الوطن أعلى مراتب الانتماء.

سيظل المغرب قويا ما دام يؤمن بمؤسساته، ويحتضن أبناءه، ويجعل من الأمن والتنمية والحرية أركانًا متكاملة لا تتعارض، بل تتعاضد.

فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا وعي مواطنيها، وثقتهم في مؤسساتهم، والتفافهم حول ثوابتهم، وإيمانهم بأن الوحدة الوطنية هي الحصن الذي تتحطم عليه كل مشاريع الفوضى والكراهية.

ولأن المغرب اختار أن يكون وطنًا للحياة، لا للموت، ووطنًا للأمل، لا لليأس، ووطنًا للبناء، لا للهدم، فإن فرسان الضوء سيبقون دائمًا أسرع من كتائب الظلام، وستظل راية الوطن أعلى من كل رايات التطرف، وسيظل هذا الشعب، كلما هتف للمغرب في المدرجات، يهتف في الوقت نفسه لمغرب آمن، قوي، متماسك، تصنعه سواعد أبنائه، وتحرسه مؤسساته، ويقوده إيمان راسخ بأن الوطن الذي يحمي أبناءه يستحق أن يحبه أبناؤه أكثر.