تنطلق علاقة الفرد بالدولة في الفلسفة السياسية الحديثة من جوهر نظرية العقد الاجتماعي، وهي المساحة الفكرية والتاريخية التي توافق فيها الإنسان على التنازل الطوعي عن جزء من حريته المطلقة والبدائية لصالح كيان مؤسساتي أعلى، يضمن له الأمن والاستقرار، وينظم حياته الجماعية ضمن حدود جغرافية وقانونية محددة. ومع تطور البنى السياسية المعاصرة وتضخم أدوار الدولة، تحول هذا العقد في الوعي الجمعي للأفراد إلى معادلة خطية قاصرة تسير في اتجاه واحد فقط؛ معادلة تركز حصراً على التساؤل الدائم والمستمر عما يجب أن تقدمه الدولة للمواطن من رعاية اجتماعية، وضمانات صحية، وتعليم مجاني، وحماية أمنية. بيد أن هذا التصور الأحادي الجانب يغفل، عن عمد أو عن غير عمد، السؤال الأكثر حرجا وجوهرية لاستدامة أي مجتمع واستقرار أي كيان سياسي، وهو المتعلق بحجم ما يُسهم به الفرد نفسه في بناء هذه الدولة لكي يستحق هذا الاحتضان المؤسساتي الشامل؛ الأمر الذي يستدعي بالضرورة إعادة تفكيك هذه الجدلية العميقة لاستعادة المفهوم الحقيقي للمواطنة، باعتبارها فعلا تفاعليا تكاملياً مستمرا، لا مجرد صك حقوقي جامد يطالب به طرف دون أن يُغذي منابعه الطرف الآخر.
وتكمن الأزمة البنيوية الخفية في الفكر التنموي المعاصر في تزايد نزوع الأفراد نحو التعامل مع الدولة باعتبارها كيانا هلاميا منفصلا عن ذواتهم، أو بوصفها موردا ماليا واقتصادييا لا ينضب، مطالبا بتقديم أعلى مستويات الرفاهية والخدمات بالمجان وبأعلى درجات الجودة، دون أدنى إدراك للحقيقة السوسيولوجية والسياسية الصارمة التي تؤكد أن الدولة في جوهرها ليست سوى مرآة عاكسة لمجموع مواطنيها ومستوى وعيهم وإسهامهم الحقيقي. إن الدولة في نهاية المطاف هي وعاء سيادي ومشترك، إن استنهضته طاقات الأفراد الفاعلة، وغذّته كفاءاتهم والتزاماتهم الإنتاجية والنزيهة، تحول حتما إلى حصن منيع وحضن مؤسساتي دافئ يقي المجتمع بأسره مغبة العواصف السياسية والتقلبات الاقتصادية والأزمات الاجتماعية؛ أما إذا سادت في أوساط المجتمع ثقافة الاتكالية المطلقة، والتهرب من المسؤولية، وانتظار الرعاية دون تقديم مقابل، فإن هذا الوعاء يفرغ تدريجيا من محتواه المادي والمعنوي، ويصبح الهيكل التنظيمي للدولة عاجزا بنيويا عن توفير الحماية وضمان العيش الكريم لأبنائه، مما يثبت بشكل قاطع أن قوة أي دولة واحتضانها لمواطنيها هما المحصلة التنموية المباشرة لحجم العطاء الفردي والمسؤولية الجماعية.
إن الانتقال بهذا المفهوم الفلسفي إلى حيز التنزيل الفعلي على أرض الواقع المغربي يتطلب بالضرورة التزاماً صارماً بالتوجيهات الملكية السامية، التي ما فتئت تؤكد في مختلف الخطب والمناسبات الوطنية على تلازم المسؤولية بالمواطنة، وربط ممارسة الحقوق بأداء الواجبات كشرط أساسي لنجاح أي نموذج تنموي. وتأتي الرؤية الملكية السديدة لتضع العنصر البشري في قلب معركة التنمية، داعية إلى تجاوز المقاربات الاتكالية التقليدية نحو آفاق "المواطنة الإيجابية والملتزمة"، التي يساهم فيها كل مواطن من موقعه في تعزيز الرأسمال اللامادي للمملكة وتحصين المكتسبات الديمقراطية والتنموية، مما يجعل من التوجيهات الملكية خارطة طريق مرجعية وضابطة لإيقاع الشراكة التدبيرية بين الفرد والمؤسسات الوطنية.
ولعل القناة الاستراتيجية الكفيلة بترجمة هذه الرؤية الملكية وصناعة هذا الجيل الجديد من "المواطنين المنتجين" تتجلى في منظومة التكوين والبحث العلمي داخل الجامعات المغربية، باعتبارها المشتل الحقيقي الذي تصاغ فيه العقول وتصقل فيه المهارات. إن الجامعة المغربية اليوم لم تعد مجرد فضاء لتلقين المعارف الأكاديمية الجافة، بل أصبحت شريكا بنيويا في صناعة الوعي المدني والقانوني، ومطالبة بتطوير مناهجها التكوينية لتعزيز روح المبادرة والابتكار والمسؤولية المجتمعية لدى الطلبة، فمن خلال تسليح الشباب الجامعي بالكفاءات العلمية العالية والقيم الأخلاقية الرصينة، يرتفع معدل إنتاجيتهم المستقبلية وتتحول أفكارهم إلى مشاريع تنموية ملموسة تغذي الاقتصاد الوطني، وتجعل منهم فاعلين حقيقيين قادرين على المساهمة في بناء الدولة وحصد ثمار احتضانها المؤسساتي.
وبناء على هذا المنظور التحليلي المتكامل، يتجلى العطاء الوطني في ثلاثة أبعاد استراتيجية رئيسية تعيد صياغة مفهوم الاستحقاق والعدالة الاجتماعية، ويأتي على رأسها الالتزام الضريبي والمالي الواعي الذي يمثل عصب الحياة الرئيسي للمرافق العمومية والخدمات المشتركة؛ إذ لا يستقيم في منطق الأشياء والسياسة أن يطالب الفرد ببنية تحتية متطورة، ومستشفيات مجهزة، ومنظومة تعليمية رائدة، وهو يمارس في ذات الوقت كافة أشكال التهرب الضريبي والتحايل المالي التي تضعف ميزانية وطنه وتحرم الاقتصاد من موارده الحيوية. أما البعد الثاني فيرتبط ارتباطا وثيقا بقيمة إتقان العمل وتحقيق الأثر التنموي الفعلي في الفضاء العام، حيث يُغذي الموظف النزيه في مكتبه، والصانع الماهر في مصنعه، والمعلم المخلص في فصله، الإدارة والاقتصاد والوعي المجتمعي بطاقات متجددة، في حين يؤدي التراخي المهني والفساد إلى ترهل الخدمات العامة وفقدان الثقة في المؤسسات. ويتمثل البعد الثالث في احترام السيادة القانونية الصارمة والحفاظ الذاتي على الممتلكات العامة، لأن تكلفة الفوضى، وتخريب المنشآت، وعدم الانضباط تستهلك سنويا موارد مالية وطاقات بشرية ضخمة من ميزانية الدولة، كان من الأولى والأنفع توجيهها لتجويد القطاعات الاجتماعية الأساسية ودعم الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال عزل هذا العطاء الفردي وعلاقته بالاحتضان المؤسساتي عن سياقه النفسي والسياسي والاجتماعي؛ فالإنسان بطبعه السيكولوجي يميل إلى الالتزام والإنتاج الفاعل عندما يلمس في محيطه عدالة توزيعية واضحة، وتكافؤا حقيقيا في الفرص، ونزاهة في تدبير الشأن العام، وهنا تبرز المعادلة الأخلاقية والسياسية العميقة التي تجعل من أداء الواجبات الممر الشرعي والقانوني الوحيد لامتلاك سلطة المطالبة بالحقوق وممارستها بكامل الحرية. فعندما يقدم المواطن التزامه الكامل ويؤدي واجباته تجاه مجتمعه ودولته بنزاهة، يتوقف تلقائياً عن كونه مجرد مستهلك سلبي أو رعية تنتظر المعونات والعطايا، ليتحول إلى شريك مساهم ومستثمر حقيقي في كيان الدولة، يمتلك كامل المشروعية القانونية والأخلاقية لمساءلة المؤسسات، ومراقبة أوجه صرف الثروات، والمشاركة الفاعلة في صياغة السياسات العمومية، وبذلك يصبح الاحتضان متبادلا والديمقراطية ممارسة حية تتجاوز بريق الشعارات الجوفاء إلى واقع المعاش اليومي.
وفي الختام، يتضح بجلاء أن مفهوم المواطنة في عالم اليوم، المليء بالتحولات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لم يعد يحتمل الترف النظري، أو الشعارات الرنانة، أو القصائد العاطفية التي تتغنى بحب الأرض دون أثر ملموس على أرض الواقع، بل أصبحت المواطنة آلية عمل صارمة واستراتيجية بقاء حقيقية للأمم والدول التي تنشد الريادة والاستقرار. إن الأوطان في العصر الحديث لا تُقاس بمساحاتها الجغرافية ولا بثرواتها الطبيعية الخام، بل تقاس أساسا بحجم الطاقة الإنتاجية، والوعي القانوني، والالتزام الأخلاقي الذي يقدمه أبناؤها في حياتهم اليومية؛ ومتى ما انتقل الوعي الجمعي للمجتمع من ثقافة التساؤل التقليدي عما جنيناه من الوطن، إلى ثقافة الابتكار والمبادرة في كيفية إصلاح محيطنا الصغير وتقديم القيمة المضافة، فإن الدولة ستتحول حتماً، وبقوة القانون والمؤسسات، إلى حصن منيع يحتضن الجميع بلا استثناء، ويضمن استدامة النماء والرفاه للأجيال القادمة في ظل مناخ عام تسوده الثقة المتبادلة والمسؤولية المشتركة.






