إنه خروج آخر من قلب التعب، من يد العامل التي تعرف معنى الخبز، ومن صوت الموظف الذي أنهكته الوعود، ومن ذاكرة المتقاعد الذي ينتظر أن تصله البلاد في آخر الشهر على شكل معاش كريم، لا على شكل اعتذار مؤجل.
تدعو الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى مسيرة وطنية في لحظة حاسمة من الزمن المغربي،. لحظة اختلط فيها الغلاء بالغضب، وتحوّلت القدرة الشرائية إلى جرح يومي في البيوت، وصار الراتب يعبر الشهر مثل عابر مرهق لا يبلغ نهايته.. لذلك تخرج المسيرة من عمق السؤال الاجتماعي، من المكان الذي تتكسر فيه لغة الأرقام أمام وجوه الناس، ومن النقطة التي يصبح فيها الصمت مشاركة في الإنهاك.
إن المسيرة الاحتجاجية إعلان بأن الطبقة العاملة ما زالت قادرة على حمل معناها التاريخي وتحويل الشارع إلى ضمير لا يتراخى ولا يستسلم، لأن صوت العمال وكل المغاربة في الفضاء العام يستطيع أن يقتلع القهر من جذوره البائسة.
في يوم الأحد 28 يونيو2026، ستعلو الحناجر بالغضب الصادق والصادح إنذارا صريحا بأن السيل قد بلغ مداه وتجاوز بخصوص مطالب الأجور والمعاشات وتخفيض العبء الضريبي وحماية الحريات النقابية والحق في الإضراب... إلى جانب أسئلة التقاعد وتشغيل الشباب ومواجهة الاحتكار والريع واستعادة المعنى الاجتماعي للدولة. فالبلد الذي يطلب من أبنائه الصبر يحتاج أن يسمع، في المقابل، نبض من تعبوا وهم يصنعون طرقه ومدارسه ومصانعه ومكاتبه وموانئه... وتاريخه.
إنها مسيرة ضد الخفة التي تتعامل بها السياسات العمومية مع حياة الناس.. ضد اقتصاد يربح في الأعلى ويطلب التقشف في الأسفل. ضد غلاء يأكل المائدة قبل أن تجتمع حولها العائلة. ضد حوار اجتماعي يتحول أحيانا إلى قاعة انتظار طويلة. وضد محاولة تحويل الحقوق النقابية إلى هامش صغير في دفتر حكومة تائهة. وتأتي هذه الدعوة نداء إلى المعنى في قلوب وعقول المغاربة للانتباه إلى مغرب يليق بمن يشتغلون.. بمن يقفون قبل الفجر في محطات الحافلات، بمن يحملون المدن على أكتافهم ولا يعودون إلا آخر النهار وقد عسعس الظلام إلى بيوت صغيرة وقلق كبير.
إنها لحظة تقول فيها الطبقة العاملة إن التاريخ لا يكتب في القاعات المغلقة أو الصالونات المكيفة التي يختلط هواؤها المصفى بنقاشات للاستهلاك، ولكنه يكتب في المعامل والمؤسسات وأيضا في الشوارع حين تصبح المطالب واضحة والغاية وطنا أكثر عدلا واتزانا وإنصاتا.
في هذه المسيرة، لا تخرج الكونفدرالية وحدها، يخرج معها سؤال البلاد: أي مغرب نريد؟ مغرب يقيس نجاحه بالأرباح وحدها، أم مغرب يقيس قوته بما يمنحه للناس من أجر عادل ومعاش محترم وتعليم لائق وصحة قريبة وحرية نقابية مصونة ومستقبل لا يطرد أبناؤه إلى الهشاشة... لذلك يصبح الأحد 28 يونيو عتبة وجسرا لنضالات أخرى، كما يصبح امتحانا لمن به صمم وموعدا جديدا تقول فيه الطبقة العاملة إنها ما زالت قادرة على الاستمرار في دورها التاريخي، وقادرة على صناعة مغرب يواجه التوحش.






