رياضة

أيوب بوعدي… من رحاب الخوارزمي إلى قميص المنتخب الوطني المغربي

منير لكماني (من ألمانيا)

حين نقول إن “العقل السليم في الجسم السليم”، فإننا لا نردد حكمة عابرة، بل نؤكد حقيقة تربوية وإنسانية عميقة: الإنسان المتوازن هو الذي يبني جسده وعقله في الوقت نفسه. وفي عالم كرة القدم الحديثة، حيث تتسارع الإيقاعات وتتعقد الخطط، لم يعد اللاعب الناجح مجرد صاحب موهبة بدنية، بل أصبح مطالبا بذكاء تكتيكي، وقدرة على التحليل، وانضباط ذهني كبير. ومن هنا يبرز اسم أيوب بوعدي، وسط ميدان المنتخب الوطني المغربي ولاعب نادي ليل الفرنسي، بوصفه نموذجا مشرقا للشاب الذي جمع بين التفوق الدراسي والتألق الرياضي.

خلف الصورة اللامعة للاعب شاب يشق طريقه بثقة في الملاعب الأوروبية، تقف سيرة دراسية لا تقل إثارة عن موهبته الكروية. فأيوب بوعدي لم يكن مجرد موهبة رياضية صاعدة، بل تلميذا متفوقا أبان منذ طفولته عن نبوغ لافت، أهله لتجاوز مستوى CM2 مباشرة إلى التعليم الإعدادي. وفي السادسة عشرة من عمره، نال شهادة البكالوريا في شعبة العلوم بميزة حسن جدا، قبل أن يواصل دراسته الجامعية عن بعد في تخصص الرياضيات، وهو يحمل في الوقت نفسه أعباء الإحتراف مع نادي LOSC Lille. إنها صورة نادرة للاعب يرى في المعرفة إمتدادا للموهبة، وفي الدراسة قوة صامتة تمنح الأداء الرياضي مزيدا من النضج والبريق.

ولم يكن تفوق بوعدي محصورا في الأرقام والإمتحانات، بل امتد إلى التعبير والفكر. ففي سن الخامسة عشرة، فاز بمسابقة للخطابة في مراكز التكوين بقصر الإليزيه، متناولا موضوعا عميقا: “هل النتيجة أهم من الطريقة؟”. هذا السؤال يلخص كثيرا من فلسفة النجاح عنده؛ فالنتيجة لا تكتمل قيمتها إلا حين تأتي من طريق صحيح، قائم على الجهد، والانضباط، والاحترام.

وفي حوار سابق مع صحيفة L’Équipe الفرنسية، كشف بوعدي جانبا مهما من علاقته بالرياضيات وكرة القدم. فقد تحدث عن وجود جمال خاص في الرياضيات، كما أن كرة القدم ترى أحيانا بإعتبارها فنا، لكنه لا يخلط بين الجمالين. كما أوضح أنه يشتغل على نظرية الأعداد، وعلى محاولة إثبات المسلمات والمبادئ الأساسية، معتبرا أن الدراسة نشاط مهم في توازنه الشخصي. فهي، بالنسبة إليه، وسيلة لإخراج الذهن من عالم كرة القدم، وعدم البقاء محصورا في ضغطها اليومي، والإنفتاح على آفاق أخرى.

وتكتسب هذه الفكرة عمقا أكبر حين نستحضر تصريحه لصحيفة Le Parisien، حيث قال إن الرياضيات تساعده على فهم اللعب بشكل أسرع، خصوصا من الناحية التكتيكية. وهنا تظهر العلاقة العميقة بين العقل والملعب: فاللاعب الذي يدرس الرياضيات لا يملأ وقته فقط، بل يطور قدرته على التحليل، وقراءة المساحات، وفهم التحولات، وإتخاذ القرار تحت الضغط. وهذه كلها صفات يحتاجها وسط الميدان أكثر من غيره.

وقد تجلى هذا النضج في حضوره مع المنتخب الوطني المغربي، خاصة حين قدم مباراة خرافية ضد البرازيل في كأس العالم 2026. أمام منتخب كبير، لم يظهر بوعدي كلاعب خائف من الأسماء أو التاريخ، بل كلاعب واثق، هادئ، ذكي في تمركزه، كريم في عطائه، وقادر على خدمة المجموعة بعقلية ناضجة. كان أداؤه رسالة واضحة: اللاعب المتعلم لا يفقد بريقه الرياضي، بل يضاعفه.

تتجاوز تجربة أيوب بوعدي حدود المسار الرياضي الفردي، لتأخذ بعدا تربويا وثقافيا أعمق؛ فهي تفكك، بالفعل لا بالخطاب، تلك الثنائية الخاطئة التي تضع الدراسة والرياضة في موقع التعارض. فبوعدي لا يقدم نفسه بوصفه لاعبا موهوبا فحسب، بل بوصفه نموذجا لجيل جديد من الرياضيين الذين يدركون أن التكوين المعرفي ليس ترفا خارج الملعب، بل جزء من بناء الشخصية، ومن صقل القدرة على التركيز، واتخاذ القرار، وتدبير الضغط. ومن هذه الزاوية، يصبح مساره رسالة موجهة إلى الناشئة: التفوق الدراسي لا يحد من الحلم الرياضي، بل يمنحه قاعدة أكثر صلابة، ويحرره من الإرتجال والعابرية.

إن أهمية هذا النموذج تكمن في كونه يعيد تعريف صورة الرياضي المعاصر؛ فاللاعب لم يعد يقاس فقط بسرعة إنطلاقه أو دقة تمريراته، بل كذلك بما يمتلكه من وعي، وإنضباط، وقدرة على تحويل المعرفة إلى قوة ذهنية داخل المنافسة. وفي حالة أيوب بوعدي، تبدو الدراسة إمتدادا طبيعيا للموهبة، لا عائقا أمامها؛ إذ تمنحها عمقا في الفهم، ونضجا في الإختيار، وإتزانا في المسار. لذلك فإن قيمته لا تنحصر في ما يقدمه فوق العشب، بل تمتد إلى ما يمثله من أفق ملهم لشباب وأطفال يرون فيه دليلا عمليا على أن العقل المتعلم والجسد الرياضي يمكن أن يصنعا، معا، مسارا إستثنائيا.