مجتمع وحوداث

سلسلة "مغرب الحضارة"... حذار من جشع تيار ليبرالي لا إنساني ولا وطني العيد نذير لمن يهمه الأمر: من يحمي المواطن

عزيز رباح

سبق لي أن حذّرت، في مقال كتبته مع بداية هذه السنة، من تنامي تيار ليبرالي غير وطني، ودعوت إلى الانتباه لبعض الممارسات التي بدأت تتوسع بشكل مقلق، حتى أصبحت تمسّ فئات واسعة من المواطنين، بل وامتدت آثارها إلى بعض التجار الصغار والمتوسطين الذين وجدوا أنفسهم، بدورهم، داخل منطق السوق المضطرب والجشع المتزايد.


وأعود اليوم إلى هذا الموضوع في ظرفية اجتماعية دقيقة، بعدما أصبح الغلاء يثقل كاهل الأسر المغربية، ولم تعد المعاناة مقتصرة على الفئات الفقيرة فقط، بل امتدت حتى إلى جزء مهم من الطبقة المتوسطة، التي باتت تجد صعوبة في توفير متطلبات الحياة اليومية، فضلاً عن تكاليف العيد.

ولعل ما يعيشه عدد كبير من المواطنين مع اقتراب عيد الأضحى يشكل رسالة قوية ونذيرًا يستوجب التوقف والتفكير.


فكيف يعقل أن تعجز فئات واسعة من الأسر عن اقتناء الأضحية بسبب الغلاء الفاحش، في وقت لا يقتصر فيه الارتفاع على ثمن الأضاحي فقط، بل يشمل أيضًا مختلف مستلزمات تربية وتسمين المواشي من أعلاف ونقل وتوزيع، مما ينعكس في النهاية على السعر النهائي الذي يتحمله المواطن، رغم ما تم ضخه من دعم واستثمارات في هذا القطاع عبر سنوات طويلة في إطار مخطط المغرب الأخضر وغيره من البرامج العمومية الهادفة إلى تطوير القطاع الفلاحي وتحقيق الأمن الغذائي؟


إن المواطن البسيط من حقه أن يتساءل اليوم: أين ذهبت آثار تلك الاستثمارات؟ ولماذا لم تنعكس بالشكل الكافي على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمغاربة في مثل هذه المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى؟

وليس من الطبيعي أن تستفيد بعض القطاعات لسنوات من الدعم والتحفيزات العمومية، ثم يجد المواطن نفسه، في مناسبة دينية واجتماعية كبرى كعيد الأضحى، عاجزًا عن اقتناء الأضحية بسبب الارتفاع غير المبرر للأسعار.


كما لا يمكن إغفال دور تضخم حلقات الوساطة في عدد من سلاسل التوزيع، حيث تتحول بعض المنتجات من الفلاح أو المنتج إلى المستهلك عبر عدة وسطاء غير مبررين، ما يؤدي إلى رفع الأسعار بشكل كبير دون أن ينعكس ذلك لا على المنتج ولا على جودة الخدمة، بل فقط على كلفة المواطن النهائية.


وفي هذا السياق، أوجه رسالة صريحة وهادئة في الآن نفسه، للتنبيه إلى جزء من تيار ليبرالي فقد، مع الأسف، التوازن بين حرية المبادرة والمسؤولية الوطنية والاجتماعية.


فهذا التيار لا يؤمن، في الممارسة، بالتنافس الشريف ولا بتحرير الاقتصاد بالشكل الذي يخدم الوطن والمواطن، بل يسعى أحيانًا إلى التحكم في الأسواق والأسعار وسلاسل التوزيع، مستفيدًا من النفوذ والعلاقات والمواقع، أكثر من اعتماده على الكفاءة والإنتاج والمنافسة النزيهة.


كما أن بعض مكوناته لا تُظهر حسًا اجتماعيًا حقيقيًا، سواء في ما يتعلق بالتجارة أو المساهمة الضريبية، أو دعم الاقتصاد الوطني، أو الاستثمار المنتج، أو خلق فرص الشغل الكافية.


ومن المفارقات أن بعض المستفيدين من دعم الدولة والتحفيزات والامتيازات العمومية هم أنفسهم الأكثر اعتراضًا على كل توجه يهدف إلى تعزيز المراقبة أو تحقيق قدر أكبر من العدالة الاقتصادية والتوازن الاجتماعي.


وقد نرى أحيانًا خطابات جميلة حول الوطنية والحداثة والتضامن والعدالة، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في الممارسة اليومية، وفي احترام قواعد المنافسة، وفي الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن، وفي تغليب مصلحة الوطن على منطق الربح السريع.


والمطلوب اليوم ليس مواجهة الاستثمار أو التشكيك في دور القطاع الخاص، فالمغرب في حاجة إلى مقاولين ومستثمرين وكسابة وطنيين يشتغلون بروح المسؤولية والمواطنة، وقد قدّم كثير منهم تضحيات ومجهودات حقيقية لخدمة الاقتصاد الوطني. لكن، في المقابل، لا بد من التصدي لكل أشكال الاحتكار والمضاربة واستغلال الدعم والامتيازات دون أثر حقيقي على الأسعار أو الإنتاج أو القدرة الشرائية للمواطنين.


إن المغرب يحتاج إلى اقتصاد حر، نعم، لكنه يحتاج أيضًا إلى اقتصاد وطني مسؤول، يوازن بين الاستثمار والعدالة، وبين الربح المشروع والاستقرار الاجتماعي.


فالاستثمار الحقيقي لا يقوم على الاحتكار، والتنمية لا تُبنى بالجشع، والثقة في المؤسسات لا يمكن أن تستمر إذا شعر المواطن بأن السوق أصبح خارج أي توازن أو مراقبة.

ومن هنا تبرز أهمية تقوية مؤسسات الضبط والمراقبة، وتفعيل قوانين المنافسة ومحاربة الاحتكار، ومراجعة الاختلالات الموجودة في بعض سلاسل التوزيع، مع ربط الامتيازات والدعم العمومي بالإنتاج الحقيقي والتشغيل والمساهمة الفعلية في التنمية الوطنية.

كما أن المرحلة تقتضي تعزيز معايير النزاهة والكفاءة والمسؤولية في تدبير الشأن العام، حتى تبقى مواقع القرار في خدمة الوطن والمواطن، لا في خدمة المصالح الضيقة.


ولعل الأهم من كل ذلك، في هذه الظرفية، أن يستعيد المواطن ثقته في أن الدولة حاضرة، قوية، وعادلة في حماية القدرة الشرائية، وضبط الأسواق، وصون التوازن الاجتماعي، حتى لا يتحول الغلاء إلى فقدان للأمل، ولا يتحول السوق إلى مصدر قلق دائم للأسر المغربية.


فهل ستؤتي حملة السلطة على المحاربين أكلها، وتتحول إلى سياسة دائمة وصارمة لضبط أسواق، المحروقات والأدوية والمواد الغدائية، بما يضمن المنافسة الشريفة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين؟