سياسة واقتصاد

"الفراقشية" يسابقون الزمن لإغراق خزانات ميناء الدار البيضاء بالقمح المستورد قبل إلغاء الرسوم

الحسن زاين

يشهد ميناء الدار البيضاء، العصب النابض وأكبر نقطة لاستقبال شحنات الحبوب في المملكة، حالة من الاستنفار الشديد والاكتظاظ غير المسبوق خلال الأيام القليلة الماضية، بفعل تحركات ما بات يُعرف بـ"الفراقشية" ولوبيات الريع الاقتصادي. 

وتأتي هذه الحركة الاستثنائية بعدما سارع مستوردو وتجار الحبوب إلى إغراق خزانات الميناء بكميات ضخمة من شحنات القمح اللين المستورد، في خطوة استباقية تهدف إلى استغلال اللحظات الأخيرة قبل دخول قرار الحكومة القاضي بإعادة فرض الرسوم الجمركية على الاستيراد حيز التنفيذ، مستغلين في ذلك الهامش الزمني الفاصل بين المصادقة على القرار ونشره.

وتعود تفاصيل هذه الواقعة إلى يوم الخميس الماضي، حينما صادق المجلس الحكومي على مرسوم يقضي بالتراجع عن وقف استيفاء رسم الاستيراد المفروض على القمح اللين ومشتقاته. ولأن القوانين والمراسيم في المنظومة التشريعية الوطنية لا تصبح سارية المفعول إلا بعد نشرها رسميًا في الجريدة الرسمية، فقد استغل "لوبي الحبوب" هذه الثغرة الزمنية، والتي تراوح عادة حوالي خمسة أيام، لتمرير أكبر قدر ممكن من الشحنات المتواجدة في عرض البحر أو تلك الجاهزة للتفريغ، والاستفادة من الأسعار التفضيلية والمنخفضة التي تطبع الأسواق الدولية حاليًا دون دفع الرسوم القانونية الجديدة.

وتعكس هذه الممارسات تجليًا واضحًا لظاهرة "الفراقشية" بمفهومها الاقتصادي الحديث، والتي تجاوزت معناها التقليدي المرتبط بسرقة المواشي، لتصبح وصفًا لشبكات المصالح واللوبيات الريعية التي تتحين الفرص لاقتناص الأرباح السريعة على حساب التوازنات الاقتصادية للبلاد. 

ولا تقتصر هذه الظاهرة على قطاع الحبوب وحده، بل باتت تتفشى بشكل مقلق في عدد من القطاعات الحيوية الأخرى، حيث تعمد بعض كبار الشركات والمجموعات التجارية إلى استغلال الثغرات القانونية، وغياب التنسيق اللحظي بين مراكز القرار والجهات التنفيذية، لتحقيق مكاسب فئوية ضيقة.

وتترك هذه السلوكات الاستغلالية تداعيات وخيمة ومباشرة على الاقتصاد الوطني وعلى جيوب المواطنين على حد سواء. فمن جهة, تحرم هذه المناورات خزينة الدولة من مداخيل جمركية وضريبية هامة ومستحقة كان من شأنها إنعاش المالية العامة، ومن جهة أخرى، فإن هذا الاحتكار والتسابق لا ينعكس إيجابًا على الأسعار في الأسواق المحلية، إذ غالبًا ما يحافظ هؤلاء الفاعلون على مستويات أسعار مرتفعة عند البيع للمستهلك النهائي، مما يعمق الفوارق ويضرب في الصميم مبدأ المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص الذي تحرص الدولة على إرسائه.