سياسة واقتصاد

ماكرون وتسويق الوهم

فؤاد بوعلي

أثارت إشادة الرئيس الفرنسي ماكرون في حفل اختتام منتدى الأعمال “إفريقيا إلى الأمام: الإلهام والربط”، بالنموذج التعليمي المغربي الكثير من الاستغراب والاستهجان، حيث عده مثالا يدعو من خلاله الدول الإفريقية الحذو على منواله، بل أوصله إلى ثورة مذهلة ونموذجا استثنائيا. والاستهجان مرده إلى أن هناك العديد من المؤشرات الواقعية والإحصائية التي تثبت أننا أمام أزمة حقيقية تضرب أطناب المدرسة المغربية والجواب عنها في مفردة واحدة اللغة الفرنسية. ففي مؤشر المعرفة العالمي 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة حل المغرب في المرتبة 89 عالمياً من أصل 195 دولة. كما أظهرت العديد من التقارير حول الجودة (مثل "إنسايدر مانكي") أن المغرب حل في مراتب متأخرة (154 عالمياً في تقرير مايو 2024)، بينما رصدت تقارير أخرى أداءً أضعف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (حيث احتل المرتبة 12 إقليمياً). أما التعليم العالي المغربي فقد حل في المرتبة 124 عالمياً بمعدل 25.2 نقطة. وفي مؤشر العدالة العالمية 2024، الصادر عن معهد الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية بجامعة فودان في شنغهاي، لسنة 2025حل المغرب في المرتبة 110 عالميا في مجال التعليم، من أصل 182 دولة شملها التقرير. ونذكر السيد الرئيس بالنتائج الكارثية للمغرب في اختبار العلوم في الثانية إعدادي في تيمس 2023. فعن أي نموذج يتحدث السيد ماكرون؟

إن النموذج الذي يقصده السيد الفرنسي ويسوق له زورا هو تراجع المدرسة المغربية عن مسار التعريب والعودة إلى لغة ماكرون كلغة لتدريس المواد العلمية والتقنية، إضافة إلى هيمنتها على الإدارة المغربية والتعليم العالي وكذا القطاع الخاص، مما يشكل عراقيل حقيقية أمام أي إرادة لتغيير هذا الواقع، وهيمنة البعثات الفرنسية على التعليم المغربي التي غدت جزرا لغوية وتربوية وقيمية خارجة عن سيطرة الدولة المغربية مادامت تعيش نظامها الخاص ثقافيا وتدبيريا. إضافة إلى كون الفرنسة عبارة عن آلية استثمارية للدولة الفرنسية تدر الملايير على ميزانيتها من جيوب المغاربة، ولا ننسى ما تقدمه المدرسة المغربية من خدمات جلى للسيد الفرنسي من خلال الأطر الذين يتخرجون ويقدمون على طبق من ذهب للاقتصاد الفرنسي مجانا، والأهم هو الوساطة المجانية بين الطلبة الأفارقة الذين يختارون المغرب للدراسة ومؤسسات باريس. لذا فإن استمرار فرض التعليم بالفرنسية على المتعلمين المغاربة يخلق واقعا يجعل من اللغات الرسمية للمملكة مجرد لغات تراثية أو بالأصح للتوظيف الصراعي حول الهوية، كما أن فرض الفرنسية ـــ التي تجاوزها الزمن العلمي والمعرفي ـــ يخلق فوضى تعليمية ويهدد قدرة الدولة على بسط سيادتها الثقافية، بل إن فرض هذه اللغة على المتعلم المغربي يُعد ‘تجنّيا’ عليه، ومن شأنه أن يعيد إنتاج مسارات الفشل التي طالت مشاريع الإصلاح السابقة في المدرسة المغربية. لكن مقصود السيد ماكرون بالنموذج المغربي هو ربطه الإدماجي بالمركز الكولونيالي الفرنسي من خلال النخب المرتبطة به التي تتسيد القرار التربوي والتعليمي والثقافي والاقتصادي، حيث تحول الشعب المغربي إلى ميدان تجارب للفرنسة بكل حمولتها الإيديولوجية، والنموذج عند السيد ماكرون هو حفنة من المسؤولين الذين لا يعرفون حتى الحديث الطبيعي مع المواطنين فكيف بإمكانهم التفكير في مستقبلهم؟ والنموذج عند الرئيس هو المسؤولون الذين علاقتهم ببلد موليير أهم وأعمق من علاقتهم ببلاد أجدير؟ هذا هو النموذج المغربي الذي تغنى به ماكرون في نيروبي.

فمتى سنظل عبيد نموذج استهلك دوره الحضاري وأعلن فشله من طرف أبنائه قبل خصومه؟ وهل سيستوعب مدبرو الشأن السياسي خطورة الارتماء في أحضان الفرنكفونية حتى غدونا نموذجا تلوكه ألسن المستعمر القديم؟ أم أن البحث عن الأمجاد الواهية تجعلنا نتناقل قولته كأنها اعتراف عالمي والواقع أنها أعظم سبة في تاريخ التعليم المغربي والسيادة الوطنية؟

نعيد التكرار: إن استعادة السيادة اللغوية والثقافية للمدرسة والدولة المغربية لا تتحقق إلا من خلال خطوات إجرائية وعملية ملموسة؛ أبرزها ترسيخ الوعي اللغوي من خلال ضرورة الإدراك بأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي ركيزة أساسية من ركائز السيادة الوطنية، إضافة إلى الاقتداء بالتجارب الدولية والاستناد إلى التقارير الأممية ذات الصلة، مع التأكيد على أن الانتصار للغة العربية كلغة للتدريس والبحث العلمي ليس نابعا من انحياز أيديولوجي، بل هو استحقاق مبني على حقائق علمية تؤكد أن الخروج من الفشل الذي تعانيه المنظومة التعليمية لا يتم إلا من باب الضاد.