سياسة واقتصاد

حزب الاستقلال وندوة الجهوية المتقدمة: تشخيص بلا مقترحات وانتقاد بلا بدائل

ادريس الفينة (محلل اقتصادي)

نظم حزب الاستقلال، من خلال رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين، ندوة بمراكش حول موضوع الجهوية المتقدمة، تحت عنوان طموح يتحدث عن الحكامة الترابية، والشفافية، والتقائية السياسات العمومية، والإدماج الاجتماعي والاقتصادي من أجل “مغرب بسرعة واحدة”. غير أن المثير للانتباه في مضمون ما تم تداوله خلال هذه الندوة هو أن الخطاب ظل حبيس التشخيص العام والانتقاد المتكرر، دون أن يرتقي إلى مستوى تقديم بدائل عملية أو أفكار ملموسة قادرة على الدفع بورش الجهوية المتقدمة إلى الأمام.


فمن حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أهمية فتح النقاش حول الجهوية المتقدمة، خاصة أن هذا الورش يعد من أهم الإصلاحات المؤسساتية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة. كما أن الوقوف عند الاختلالات المرتبطة بتفاوت تقدم الجهات، وضعف الالتقائية بين السياسات العمومية، ومحدودية التمويل، ونقص الكفاءات، يظل أمرا ضروريا ومطلوبا. لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في ذكر هذه الصعوبات، لأنها معروفة ومتداولة منذ سنوات، بل في أن حزبا سياسيا بحجم حزب الاستقلال، وبتاريخه وموقعه داخل المشهد السياسي، كان يفترض أن ينتقل من منطق النقد إلى منطق الاقتراح.


لقد اكتفى المشاركون، حسب ما ورد في مضمون الندوة، بالتأكيد على أن الجهوية المتقدمة تواجه تحديات مالية ومؤسساتية وبشرية، وأن الجهات لا تزال تعتمد بشكل شبه كامل على تحويلات الدولة، وأن هناك حاجة إلى آليات تمويل مبتكرة ومستدامة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما هي هذه الآليات؟ وما هي التصورات التي يقترحها حزب الاستقلال لتقوية الاستقلال المالي للجهات؟ وهل يتعلق الأمر بإصلاح الجبايات المحلية؟ أم بإحداث صناديق استثمار جهوية؟ أم بتقوية الشراكات بين القطاعين العام والخاص؟ أم بتمكين الجهات من موارد ذاتية جديدة؟ الندوة لم تقدم جوابا واضحا عن هذه الأسئلة.


وهنا تظهر المفارقة الأساسية: حزب ينتقد محدودية التمويل، لكنه لا يقدم نموذجا عمليا للتمويل؛ ينتقد ضعف الالتقائية، لكنه لا يقترح آلية مؤسساتية لتنسيق تدخلات الدولة والجماعات الترابية؛ يتحدث عن العدالة المجالية، لكنه لا يوضح كيف يمكن تقليص الفوارق بين الجهات عمليا؛ يشدد على الحاجة إلى الكفاءات، لكنه لا يقدم تصورا لتكوين وتأهيل الموارد البشرية داخل الجهات والجماعات الترابية.


إن الأحزاب السياسية ليست مطالبة فقط بوصف المشاكل، بل بإنتاج الحلول. فالنقاش السياسي الجاد لا يقاس بعدد الملاحظات النقدية التي يطرحها الفاعلون، بل بمدى قدرتهم على بلورة مقترحات قابلة للتنفيذ. أما الاكتفاء بترديد عبارات عامة من قبيل “الحكامة”، و“الالتقائية”، و“الشفافية”، و“النجاعة”، و“التنمية المستدامة”، دون ترجمتها إلى إجراءات واضحة، فيجعل الخطاب أقرب إلى بلاغ تواصلي منه إلى مساهمة سياسية حقيقية في تطوير الجهوية المتقدمة.


وكان من المنتظر من حزب الاستقلال، وهو حزب يملك تجربة حكومية وبرلمانية وجماعية، أن يقدم خلال هذه الندوة بعض الأفكار العملية. مثلا، كان يمكن أن يقترح إحداث آلية وطنية لدعم المشاريع الجهوية ذات المردودية الاقتصادية، أو تشجيع الجهات على خلق وكالات جهوية لجلب الاستثمار، أو تطوير نظام تعاقدي أكثر وضوحا بين الدولة والجهات، أو تمكين الجماعات الترابية من موارد جبائية أكثر عدالة وفعالية، أو وضع إطار قانوني يسمح للجهات بالولوج إلى تمويلات مبتكرة بشروط مضبوطة وشفافة.


كما كان يمكن أن تفتح الندوة نقاشا حول دور الجماعات الترابية، وليس الجهات فقط، لأن التنمية الترابية لا يمكن أن تنجح إذا بقيت محصورة في مستوى الجهة دون إشراك العمالات والأقاليم والجماعات. فالجماعات القروية والحضرية هي الأقرب إلى المواطن، وهي التي تواجه يوميا مشاكل البنية التحتية، والنقل، والنظافة، والتعمير، والخدمات الأساسية. لذلك فإن أي حديث عن الجهوية المتقدمة دون تقديم تصور واضح لتقوية قدرات باقي الجماعات الترابية يبقى حديثا ناقصا.


الأكثر من ذلك، فإن شعار “مغرب بسرعة واحدة” يقتضي أكثر من توصيف الفوارق بين الجهات. فهو يتطلب رؤية عملية لكيفية تحقيق التوازن بين المجالات الترابية، خاصة بين الجهات الغنية والجهات الأقل جذبا للاستثمار. وكان من الضروري أن تقدم الندوة مقترحات حول كيفية توجيه الاستثمار العمومي والخاص نحو المناطق الهشة، وكيفية خلق فرص شغل محلية، وكيفية ربط المشاريع الجهوية بحاجيات السكان لا فقط بالتصورات الإدارية المركزية.


إن ضعف الندوة لا يكمن في أنها انتقدت واقع الجهوية المتقدمة، بل في أنها لم تذهب بعيدا في الاقتراح. فالانتقاد، حين لا يرافقه بديل، يتحول إلى خطاب سهل. أما المسؤولية السياسية فتقتضي تقديم حلول واضحة، قابلة للنقاش والتطوير والتنزيل. ومن هذا المنطلق، كان على حزب الاستقلال أن يستثمر هذه المناسبة لإطلاق تصور حزبي متكامل حول الجهوية، بدل الاكتفاء بعرض الاختلالات المعروفة سلفا من قبل حزب له طموح في رئاسة الحكومة القادمة إذا ما اعترفت له صناديق الاقتراع بذلك .